بينما تنشغل أطراف الحرب في منطقتنا (الإرهابيون الصهاينة والأمريكان من جهة وإيران الإسلامية من جهة أُخرى) بتلقيم مدافعها استعداداً لجولة أخرى حادة جداً من المواجهة، وتعيد ترتيب خرائط الاشتباك وفق حسابات أكثر شدة ودهاء، يبدو المشهد العراقي "السياسي" وكأنه يسير في الاتجاه المعاكس تماماً!
إذ لم تكتفِ بعض قواه السياسية بإفراغ السلاح من فاعليته..
قوى العراق السياسية رمت أسلحتها -التي من الممكن أن تحميها في وقت من الأوقات- بالكامل!
لتدخل مرحلة خطيرة من العجز الطوعي والانكشاف الكامل أمام عواصف مرعبة قادمة لا تُـبقي ولا تَـذر ..
هذه حقيقة ..
إنها مفارقة مؤلمة أن يحدث هذا التراجع في لحظة تاريخية تتطلب أعلى درجات الجاهزية، ليس بالمعنى العسكري فحسب، وإنما بالمعنى السياسي والاستراتيجي أيضاً ..
فالصراعات في محيطنا لم تهدأ، وما يُـروَّج له من تهدئات ليس سوى إعادة تشكيل لوسائل الحرب، وتحويل أدواتها من صخب المدافع الذي لن يهدأ إلى صمت "الاختراقات" المدمرة، ومن المواجهة المباشرة إلى الاستنزاف الخفي ..
إنها حرب مستمرة ..
ولكن بطرق وأساليب جديدة أكثر تعقيداً وخطورة.
وفي خضم هذا المشهد الملتهب، ينشغل بعض أطراف العملية السياسية في العراق بصراعات هامشية، يصفها عرابينها بـ:
”تسجيل الأهداف”
وكأن الوطن ملعب!
والأزمات مباريات!
والخسارات مجرد أرقام تُـنسى!
يتبارى هذا الطرف مع ذاك، ويتفاخر ذاك بإرباك هذا، بينما الحقيقة الوحيدة التي لا يريد أحد الاعتراف بها هي أن الخاسر الوحيد في هذه اللعبة العبثية وغير المجدية هو «العراق» قبل غيره ..
لقد تحوّل التنافس السياسي العراقي:
- من وسيلة لبناء الدولة إلى أداة لهدمها.
- ومن اختلاف مشروع إلى تصفية حسابات.
- وغابت الرؤية الوطنية الجامعة لتحل محلها حسابات ضيقة، لا ترى أبعد من حدود المكسب الآني، ولا تسمع سوى صدى التصفيق المؤقت.
أيها الاخوة: إن أخطر ما في هذا الواقع ليس فقط غياب الاستعداد للمستقبل ..
الأخطر هو غياب الإحساس بالخطر ذاته ..
فحين تُـرمى البنادق في زمن الاشتعال، لا يكون ذلك إعلاناً للسلام، رمي البنادق استسلام غير معلن، وانسحاب من معركة لم تنتهِ بعد ..
والعراق اليوم لا يحتاج إلى مَـن يسجل نقاطاً على خصومه السياسيين، العراق يحتاج إلى مَـن يحفظ توازنه، ويستعيد وعيه، ويعيد تعريف أولوياته ..
ثم إن الأمم لا تُـبنى بالانتصارات الصغيرة داخل أسوارها، الأُمم تُـبنى بقدرتها على الصمود أمام العواصف التي تضرب أبوابها ..
وما لم تدرك القوى السياسية أن لحظة الترف والمشاريع والـ "كومشنات" قد انتهت، وأن زمن التنافس العبثي قد ولّـى، فإن الأيام القادمة لن تكون مجرد اختبار يمر مروراً كريماً ..
الأيام القادمة ستكون حساباً عسيراً، لا يُـسأل فيه مَـن انتصر على مَـن ..
سيُـسأل هؤلاء:
لماذا خسر الجميع أنفسهم ووطنهم وبلا مقابل؟
التعليق عبر فيسبوك