تتحرك إيران ضمن معادلة شديدة التعقيد ،فهي لا تريد أن تظهر بمظهر الدولة العاجزة عن الرد، لكنها تدرك أيضاً أن الذهاب إلى مواجهة مفتوحة قد يدفع المنطقة بأكملها إلى انفجار واسع يصعب احتواء نتائجه. ولهذا تبدو ايران حذرة جداً من الانجرار إلى رد متسرع يمنح خصومها الذريعة التي ينتظرونها. فهي تدرك أن أي مواجهة شاملة ستستثمر إعلامياً وسياسياً لتكريس صورة إيران بوصفها (العدو الأخطر)، حتى لو كانت في موقع الدفاع عن نفسها
وفي ظل هذا التصعيد، برزت الإشارات الحادة للسيد مجتبى خامنئي بوصفها رسائل تحذير استراتيجية موجهة لأمريكا وإسرائيل والعالم الإسلامي معاً، تؤكد أن ما يجري لم يعد مرتبطاً فقط بملف النووي أو اليورانيوم، انما بصراع أوسع يراد منه إنهاك المنطقة وإبقائها داخل حالة توتر دائم واستنزاف مستمر. ومن هنا جاء التحذير من خطورة المرحلة والدعوة إلى تجاوز الحسابات الضيقة والانفعالات المتعجرفة، لأن الخطر الحقيقي لا يكمن في الضربات العسكرية وحدها، إنما ايضاً في تحويل الحرب إلى واقع يومي تعتاد عليه المنطقة تدريجياً.
وتوسيع دائرة الاشتباك وتحويل الشرق الأوسط إلى ساحة استنزاف مفتوحة تخدم الحسابات الأمريكية والإسرائيلية على المدى البعيد..
ومن هنا يمكن فهم طبيعة المرحلة الحالية بوصفها مرحلة (الحرب المتقطعة)، وهي أخطر أحياناً من الحرب التقليدية، لأنها تبقي المنطقة معلقة بين اللاسلم واللاحرب ،فتبقى الأسواق قلقة، والطاقة تحت الضغط، والتحالفات قابلة للتبديل في أي لحظة. كما تبدو التوقعات مفتوحة على احتمالات تصعيد جديدة بعد عيد الأضحى، حيث قد تتحول الضربات المحدودة إلى ما يشبه (وحدة قياس للقوة) بين الأطراف المتصارعة، فكل ضربة لم تعد تقرأ بحجم خسائرها فقط، انما تكون بحجم الرسائل السياسية والعسكرية التي تحملها.
وفي موازاة هذا التوتر الخارجي، تعيش الساحة الأمريكية نفسها حالة ارتباك داخلي متصاعد، يتجلى في عودة الحديث عن ملفات حساسة مثل قضية جيفري إبستين، بعدما أعاد النائب الجمهوري توماس ماسي فتح الجدل حول الوثائق المحجوبة والتلميحات المتعلقة بشخصيات نافذة مليارديرات، إلى جانب حديثه عن قناعة ميلانيا ترامب بأن إبستين لم يكن يتحرك بمفرده. ورغم أن هذا الملف يبدو بعيداً عن أجواء الصراع الخارجي، إلا أنه يعكس حجم الانقسام داخل المؤسسة الأمريكية نفسها، في وقت تحاول فيه واشنطن إدارة أزمات العالم وهي تواجه أزمات ثقة داخلية متزايدة.
وإذا استمرت الولايات المتحدة وإسرائيل بسياسة الضرب المحدود مع الحفاظ على سقف يمنع الانفجار الشامل، فإن المنطقة مرشحة لمرحلة طويلة من الاستنزاف السياسي والعسكري دون حسم واضح. أما إذا وقع خطأ كبير في الحسابات أو تم استهداف مواقع وشخصيات حساسة بصورة مباشرة، فقد تنتقل المنطقة إلى مستوى أخطر من التصعيد، خصوصاً أن ساحات الصراع لم تعد منفصلة، بل أصبحت مترابطة بصورة تجعل أي شرارة قابلة للتمدد بسرعة عبر أكثر من جبهة.
التعليق عبر فيسبوك