بقلم علي هادي عبادة الحلي

كان أول لقاء جمعني به والتعرف عليه عام 2000 في سوريا، وتحديداً في مدينة دوما، ثم تجدد اللقاء بالقرب من مقام السيدة زينب (عليها السلام)، في مطعم النخيل.

كنت أنا قادماً من داخل العراق، وهو مقيماً في سوريا.

بدأ التعارف بتحية عادية:

السلام عليكم.

وعليكم السلام، أنا أبو نغم.

سألني: من أي محافظة أنت؟

قلت: من الحلة.

ومن أي محلة؟

قلت: من المهديّة.

فقال لي مبتسماً: يا لها من صدفة جميلة! أنا أيضاً من الحلة، ومن محلة المهديّة.

كانت مصادفة جميلة أن نلتقي في بلاد الغربة، ونحن من منطقة واحدة، رغم أننا لم نلتقِ من قبل في محلتنا.

كان رجلاً مثقفاً، هادئاً، محباً للناس، ويقدم المساعدة والخدمة للعراقيين المقيمين في سوريا. ومن خلال أحاديثنا عرفت أنه من المعارضين للنظام السابق، وأن انتماءه السياسي كان سبباً في ابتعاده عن وطنه.

ومن هنا بدأت معرفتي بحكاية رحيم الحلي، المعروف بأبي نغم.

النشأة والبدايات

من محلة المهديّة العريقة في مدينة الحلة، وُلد رحيم الحلي عام 1956، في أسرة عراقية كادحة عرفت معنى التعب والكفاح من أجل لقمة العيش.

كان والده يعمل حمّالاً في أسواق الحلة، يكسب رزقه بعرق جبينه، قبل أن يُعيَّن في أواخر ستينيات القرن الماضي في شركة توزيع الزيوت النباتية في الحلة.

وفي تلك البيئة الشعبية البسيطة، نشأ رحيم قريباً من حياة الكادحين ومعاناتهم اليومية، وهي البيئة التي شكّلت جانباً مهماً من وعيه الاجتماعي والإنساني.

كبر في أزقة محلة المهديّة، وبين أهلها وبيوتها وأسواقها، حاملاً ذكريات الطفولة التي بقيت راسخة في وجدانه رغم عقود طويلة من الغربة.

ومن تلك المدينة التي عُرفت بتاريخها الثقافي والسياسي، بدأت رحلته مع الدراسة والقراءة والاهتمام بالشأن العام.

الانتماء السياسي ورحلة المنفى

في أواسط سبعينيات القرن الماضي، انتمى إلى الحزب الشيوعي العراقي، متأثراً بأفكار العدالة الاجتماعية والمساواة والدفاع عن حقوق الفقراء والكادحين.

وواصل دراسته الجامعية حتى تخرّج في كلية الإدارة والاقتصاد عام 1979، في مرحلة كانت البلاد تشهد فيها تصاعداً في الملاحقات السياسية وحملات القمع التي استهدفت الشيوعيين.

ومع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية عام 1980، اتخذ قراراً مصيرياً برفض المشاركة في الحرب، فغادر العراق في خريف ذلك العام ولجأ إلى إيران، ثم انتقل منها إلى سوريا، رافضاً أن يكون طرفاً في حرب لم يؤمن بها.

وفي سوريا، أمضى أكثر من ثلاثة عقود، كوّن خلالها أسرته وارتبط بعلاقات إنسانية وثقافية واسعة، لكنه ظل يحمل العراق في قلبه، والحلة في ذاكرته.

العودة إلى الوطن ثم الغربة من جديد

بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، عاد إلى العراق آملاً أن يجد فرصة للاستقرار والعمل في وطنه.

وأقام عاماً كاملاً، لكنه لم يتمكن من الحصول على عمل أو سكن، رغم امتلاكه شهادة جامعية، فعاد مضطراً إلى سوريا.

ومع تصاعد الأحداث المسلحة في سوريا عام 2012، حاول مجدداً الاستقرار في العراق، غير أن الفساد والبيروقراطية والتمييز، بحسب ما واجهه، حالت دون تحقيق أمله.

فكانت وجهته هذه المرة السويد، التي منحته فرصة للعيش والاستقرار، وحصل لاحقاً على جنسيتها.

الثقافة والإعلام وحنين الحلة

لم تنقطع صلته بالثقافة والإعلام طوال تلك السنوات.

فقد عمل لفترة قصيرة في إذاعة «اتحاد الشعب» في بابل، وكتب في الصحف العراقية والعربية، واهتم بالسينما والموسيقى والأدب والتاريخ السياسي والاجتماعي للعراق، فضلاً عن نشاطه الثقافي في مواقع التواصل الاجتماعي.

وظلت الحلة حاضرة في كتاباته وذكرياته، بأحيائها القديمة ومقاهيها وشخصياتها الثقافية وأصدقاء طفولته وشبابه، وكأن الغربة الطويلة زادت تعلقه بالمكان الذي شهد خطواته الأولى.

خاتمة الحكاية

إن سيرة رحيم الحلي ليست حكاية اغتراب فردية فحسب، بل هي صورة من حياة جيل عراقي عاش الحروب والاستبداد والمنافي، ودفع سنوات من عمره ثمناً لقناعاته السياسية ورفضه المشاركة في الحروب.

لقد خرج من محلة المهديّة، ابنَ عامل بسيط حمل الأثقال على كتفيه ليؤمّن لقمة العيش لأسرته، ثم حمل الابن على كتفيه أثقال الغربة والحنين إلى وطن لم يستطع أن يوفر له الاستقرار.

وبين كفاح الأب في أسواق الحلة ورحلة الابن الطويلة في المنافي، تتجسد حكاية عراقية عنوانها الكرامة والصبر والتمسك بالأمل.

أما أنا، فما زلت أتذكر تلك الصدفة الجميلة في سوريا، حين جمعنا لقاء الغربة، واكتشفنا أننا من الحلة، ومن محلة المهديّة تحديداً.

قد تتباعد بنا الطرق، وتفرقنا الحدود، لكن تبقى محلة المهديّة تجمع أبناءها، حتى لو التقوا في بلاد الغربة.

الحلة مدينة الطفولة والشباب، والمهديّة ذاكرة لا تغادر أبناءها مهما طال الغياب./ انتهى