منذ ثلاثين عاما، وأنت هناك، تحت سماء لا تشبه سماءك، لكن صوتك يعبر الحدود بلا جواز، ويجلس في مقاهي بغداد كأنه لم يغادر، ويمر على دجلة كأنه يعرف موعد المد، ويطرق أبواب البيوت التي أرهقها الانتظار.هذا ليس غريبا... فأنت رجل أضاعتك البلاد حين كانت تبحث عن جلاديها، فاحتفظت بك القصيدة كي لا يضيع العراق مرتين.
ثلاثون عاما، وما زال نعشك يعبر الحدود، وما زالت حقائبك مفتوحة على الجهات التي لم تصلها، وما زال في معطفك غبار من دجلة، وفي صوتك سحنة نخل لم تنحن جذوعه لريح الطغاة.
كنت تكتب بغداد كما تكتب الأم اسم ابنها على زجاج النافذة حين يتأخر المطر، وكنت تخبئ العراق بين ضلوعك، كي لا تفتش عنه عيون السلطة، كي لا تصادره البنادق، كي لا يعلقوا على أبوابه لافتة الممنوع من الحنين.
لكنهم طاردوا ظلك، وظنوا أن اقتلاع الجسد يكفي لاقتلاع الجهات، وأن الشاعر إذا ابتعد عن دجلة نسي الماء، وإذا نام في بلاد غريبة تخلى عنه تراب البدايات.
.ياجمال الدين ... أيها الذي حمل بغداد في حقيبة لم تتسع لدمعتين، أيها الذي كان كلما أطفأوا مصباحا أشعل في الحرف نجمة، وكلما أوصدوا بابا فتح في القصيدة ممرا إلى العراق.كيف انتهى بك الطريق إلى مقبرة الغرباء في دمشق؟ وكيف استطاعت مدينة الياسمين أن تضم جسدا عراقيا أضناه الشوق إلى بغداد؟
هناك، حيث تتشابه شواهد القبور وتنام الأسماء تحت غبار العابرين، يرقد الشاعر الذي كان أبقى من سلطة حسبت أن الخوف قدر البلاد.
ثلاثون عاما، وماتزال المقبرة تسأل دمشق: من هذا الغريب الذي كلما مر العراق في الذاكرة أورقت حوله الحجارة؟
سلام على مصطفى، الذي لم يمت ، بل ترك نصف قلبه في بغداد، ونصفه الآخر ينبض تحت تراب الغرباء...
الآن وقد عاد العراق إلى أبنائه، وعاد الشعراء من منافيهم، آن للأوطان أن تتعلم كيف تعتذر لأحلامها التي دفنتها بأيديها ، ومازال صوتها خالدا في ضمير التراب ..




التعليقات