كتابة/ رحيم الحلي
شاهدت الشاعر سيف الدين ولائي مرارا في منطقة السيدة زينب بدمشق أوائل الثمانينات، وتعرّفت إلى أولاده عادل وجاسم وعز الدين وحكمت، كما عرفت زوجته أم جاسم، وكانت امرأة عراقية طيبة وحنونة. عاشت الأسرة مرارة الغربة بعد أن سفّرها نظام البعث من العراق بحجة "التبعية"، وانتهت حياة الشاعر وزوجته كمداََ وحزناََ بعيداََ عن الوطن، وقد حضرت وفاتهما ودفنهما في مقبرة الغرباء في السيدة زينب أواسط الثمانينات. رحم الله سيف الدين ولائي، فقد ترك بصمة خالدة في ذاكرة الأغنية العراقية، وما زالت كلماته تتردد على ألسنة أجيال. وكانت نهايته ونهاية زوجته واحدة من الحكايات المؤلمة لعراقيين اقتلعهم النظام من وطنهم، ولم تشفع لهم سنوات العمر والانتماء والعطاء.
وحين أستعيد اليوم صورة سيف الدين ولائي التي بقيت في ذاكرتي، أستعيد معها تاريخاََ طويلاََ من الأغنية العراقية. فهذا الرجل الذي رأيته في سنواته الأخيرة غريباََ في دمشق، كان في وطنه واحداََ من أغزر شعراء الأغنية وأكثرهم قرباََ من وجدان الناس، حتى إن جلسة استذكاريه أقامها ملتقى جيكور الثقافي في البصرة عام 2026 وصفته بـ"مؤلف الألف أغنية"، وهو وصف يلخص ضخامة الإرث الذي تركه.
ولد سيف الدين فاضل فرج، المعروف بسيف الدين ولائي، في الكاظمية ببغداد، وتختلف المصادر في سنة ولادته بين 1915 و1916، وينحدر من أسرة عراقية كردية فيلية. درس في المدرسة الفيصلية الابتدائية، ثم تعرض للفصل في بداية دراسته المتوسطة بسبب مشاركته في التظاهرات التي شهدتها بغداد احتجاجاََ على زيارة السياسي البريطاني ألفرد موند، وكان الفنان عزيز علي من بين الطلبة الذين تعرضوا للفصل أيضاََ. وبعد انقطاعه عن الدراسة عمل فترة في مهنة الإسكافي، قبل أن يدخل الوظيفة الحكومية ويعمل في بلدية الكاظمية ويتدرج فيها.
وعاصر ولائي البدايات الأولى للإذاعة العراقية في ثلاثينيات القرن الماضي، وتذكر مصادر سيرته أنه كان من المشاركين في تأسيسها عند انطلاقها في قصر الزهور عام 1936. وكان اقترابه من الإذاعة والمطربين والملحنين بداية علاقة امتدت أكثر من أربعة عقود مع عالم الأغنية العراقية.
كان سيف الدين ولائي شاعراً ابن البيئة الشعبية البغدادية، يستمع إلى لغة الناس ويحوّلها إلى أغنية. لم يلجأ إلى الكلمات المتكلفة أو الصور البعيدة عن المتلقي، بل كتب الحب والعتاب والفراق والجيرة والأم والغربة باللغة التي يتحدث بها العراقي في بيته وشارعه ومقهاه. ولهذا بقيت عبارات كثيرة من أغنياته حية حتى بعد أن نسي بعض المستمعين اسم الشاعر الذي كتبها.
وكان تعاونه مع الفنان رضا علي واحدا من أبرز محطات تجربته، وتشير المصادر إلى أن ولائي كتب قسماََ كبيرا من الأغنيات التي قدمها رضا علي، ومنها "جيرانكم يا أهل الدار"، و"حگ العرفتونه وعرفناكم"، و"لو إلي وحدي لو روح لهلك"، و"هاك الروح خذها وياك"، و"على الميعاد أجيتك"، و"ذوبني گلبي"، وغيرها. وأسهم الاثنان معاََ في صياغة جانب مهم من شخصية الأغنية البغدادية الحديثة.
أما عفيفة إسكندر فغنت له مجموعة من الأعمال التي أصبحت من علامات الغناء العراقي، ومنها "حركت الروح لمن فارگتهم"، و"يا غريب اذكر هلك"، و"هلك منعوك"، و"گلب گلب"، و"أغار من الهوى"، و"اسم الله اسم الله". وغنت زهور حسين من كلماته "خالة شكو"، و"أخاف أحچي"، بينما غنت أحلام وهبي "الله الله من عيونك"، و"عشاك العيون"، و"سبع تيام من عمري حلالي"، و"هلهلي بالله يا سمرة هلهلي".
وغنت لميعة توفيق من كلماته "هذا الحلو كاتلني يا عمة"، وغنت نهاوند "يابه يابه شلون عيون عندك يابه" و"أتدلل علي أتدلل"، ووحيدة خليل "على بالي ما جان فرگاك"، وراوية "أدير العين ما عندي حبايب"، ونرجس شوقي "شدعيلك ياللي حرگت گلبي" و"الهجر مو عادة غريبة"، ومائدة نزهت "اسألوه لا تسألوني اسألوه".
ولم تتوقف كلماته عند الأصوات العراقية، فقد غنت له المطربة السورية فائزة أحمد "خي لا تسد الباب"، وغنت اللبنانية نزهة يونس أغنيته الشهيرة "يا خالة". وكانت له مع نزهة يونس حكاية طريفة، فقد كان ولائي يعاني من التأتأة في الكلام، فأطلقت عليه لقب "الأخرس البغدادي"، وهو لقب اشتهر به حتى إن لقاءََ صحفياََ معه نُشر بهذا الوصف. والمفارقة الجميلة أن الرجل الذي كانت الكلمات تتعثر أحياناََ على لسانه في الحديث، كان واحداََ من أكثر الشعراء قدرة على جعل الكلمات تنساب على ألسنة المطربين والناس.
وغنى من كلماته أيضا ياس خضر "من علمك ترمي السهم يا عيونك"، وكتب أعمالاََ غنائية جماعية ارتبط بعضها بالمناسبات والأعراس، ومنها "عروسة والحبايب زافيها"، و"هالليلة ليلة من العمر"، و"حنة حنة بيدها حنة باديها"، و"مو مني كل الصوج من هلي والله". وتعامل في مسيرته مع مجموعة من كبار الملحنين العراقيين، وفي مقدمتهم رضا علي وعباس جميل ومحمد نوشي، إلى جانب أسماء أخرى أسهمت معه في تحويل قصائده الشعبية إلى أغانٍ بقيت في الذاكرة.
ولعل أجمل ما يميز أغنية سيف الدين ولائي أن عنوانها وحده يستطيع أحياناََ أن يستدعي عالماََ كاملاََ من الذكريات. "أدير العين ما عندي حبايب"، و"حركت الروح لمن فارگتهم"، و"يا غريب اذكر هلك"، و"جيرانكم يا أهل الدار"، ليست مجرد عناوين، بل جمل تشبه كلام العراقيين حين يحبون أو يفترقون أو يشتاقون. كان يعرف كيف يكتب المشاعر الكبيرة بأبسط الكلمات، وهذه موهبة لا يمتلكها إلا شاعر حقيقي.
وقد عاصر ولائي أسماء كبيرة من الشعر الشعبي العراقي وتأثر بتراث ملا عبود الكرخي والحاج زاير، لكنه استطاع أن يصنع لغته الخاصة، لغة تصلح للغناء وتمنح الملحن مساحة واسعة للحركة. ولذلك وجد كبار الملحنين في نصوصه مادة غنائية خصبة، ووجد المطربون فيها كلمات يستطيع المستمع حفظها من المرة الأولى.
وبعد أكثر من أربعة عقود قضاها في خدمة الأغنية العراقية، جاءت الضربة الأقسى في حياته. ففي عام 1980 سفّره نظام البعث من العراق ضمن حملات التهجير التي طالت آلاف العراقيين بحجة "التبعية الإيرانية". شعر في إيران بمرارة الغربة ووحشتها، فلم يعد يسمع حديث أبناء وطنه ولهجتهم التي ألفها وعاش بينها. وازداد ضيقه حين أدرك أن السلطة هناك تحرّم الغناء ولا تنظر بعين الرضا إلى أهله وعشاقه، فكيف بمن كان واحداََ من أبرز صانعيه؟، فغادر ايران بعد فترة قصيرة إلى سوريا ليستقر مع أسرته في منطقة السيدة زينب بدمشق ، حيث هناك فضاءه لغته وهناك من يفهم اشعاره ويحب سماع اغنياته التي صاغ اشعارها.
وهنا تتقاطع سيرته الفنية مع الصورة الإنسانية التي عرفتها بنفسي. فالشاعر الذي كتب للعراقيين عن الأهل والجيران والحبيب والفراق أصبح هو نفسه غريباََ ينتظر العودة إلى وطنه. لم تعد الغربة صورة شعرية في أغنية، بل أصبحت حياته اليومية، وأصبح العراق الذي منحه مئات الأغنيات بعيداََ عنه.
وتوفي سيف الدين ولائي في دمشق عام 1984، ودُفن في مقبرة الغرباء في منطقة السيدة زينب. وبقيت تلك النهاية في ذاكرتي، لأنني لم أعرفها من كتاب أو صحيفة، بل شاهدت جانباََ منها وعرفت أسرته وعشت مشهد رحيله ودفنه. وكان مؤلماََ أن ينتهي شاعر ارتبط اسمه بذاكرة العراق الغنائية في مقبرة تحمل اسم "الغرباء".
لقد رحل سيف الدين ولائي بعيداََ عن الكاظمية وبغداد، لكن كلماته لم تغادر العراق. بقيت أغنياته تعبر الأجيال بأصوات رضا علي وعفيفة إسكندر وزهور حسين وأحلام وهبي وراوية ونهاوند ونرجس شوقي ومائدة نزهت وفائزة أحمد وياس خضر وغيرهم. وربما يكون هذا هو الإنصاف الحقيقي لشاعر حُرم من وطنه في آخر حياته، فقد استطاع النظام أن يقتلع جسده من العراق، لكنه لم يستطع أن يقتلع كلماته من ذاكرة العراقيين. / انتهى




التعليقات