رحيم الحلي _السويد

 نايُ الريفِ وسمفونيةُ العراق

محمد جواد أموري، الذي رحل عام 2014، ترك وراءه تراثاً موسيقياً خالداً في ذاكرة الأغنية العراقية، يسكن وجدان الأجيال ويُبقي روح الفن حيةً ومتجددة، هو من الأسماء التي لا تموت، وتظل راسخة في ذاكرة العراقيين وتمر عليهم مثل نسيمات ناعمة في امسيات صيف قائظ على الرغم من أن بعض ألحانه غارقة في الحزن شكلت عواصف عاطفية هزت قلوب العراقيين. 

موسيقارنا الذي نحتفي بذكراه هو العاصفة والنسمة في آنٍ واحد، لحنه الذي يُشبه تراتيل عاشوراء، ونغمة تنبعث من صدور العشاق عند الفراق، تخلد في قلوب محبيه وتبقى علامة فارقة في سجل الموسيقى العراقية.

وُلد أموري عام 1935 في طويريج، مدينة الوجدان الحسيني، وبيئة الشعر والغناء الريفي، والوجد العميق. هناك، حيث كانت المجالس تنشد الردات وتتنافس في نظم الأبوذية والدارمي، نما الطفل الصغير متشبّعاً بهذه الروح العراقية الأصيلة، التي وجدت في نفسه صدى، وفي وجدانه بذرة لحن سيكبر يوماً ويزهر.

لم يُنتظر أن يُكتشف، ولم يعول على الصدفة. بل كان هو من اكتشف ذاته مبكراً، فصنع بيديه آلة القانون من الخشب والأسلاك، ليعزف عليها مقطوعاته الأولى، قبل أن يمتلك آلة حقيقية. وبينما كان أقرانه يلعبون، كان هو ينفخ في ناي من القصب، ويعزف لأصدقائه في المدرسة، كما لو أنه وُلد ليكون موسيقى تمشي على قدمين.

دخل دار المعلمين، ثم التحق بمعهد الفنون الجميلة عام 1959، وهناك صقل موهبته على يد الأستاذ أكرم رؤوف، وتعلّم النظريات الموسيقية على الطريقة التركية، قبل أن يغوص في عوالم الكمان، ليصبح لاحقاً من مؤسسي الأوركسترا السمفونية العراقية، وعازف الكمان الأول فيها طوال 17 عاماً.

لكن كل هذا لم يكن إلا البداية... فالصوت الذي كان يعزف للسمفونيات الغربية، كان يحمل في قلبه شرقاً مضطرماً بالألحان. وعندما حمل العود بين يديه، أطلق منه لحناً سيبقى خالداً، "مرينا بيكم حمد"، الأغنية التي أصبحت نشيداً للوجدان العراقي، بصوت ياس خضر الذي غنى له اغنية "شموع الخضر" من كلمات الشاعر هادي العكايشي.

كان أموري أكثر من مجرد ملحن، كان مؤلفاً موسيقياً، شاعري المزاج، يعرف كيف يُلبس الكلمات رداءً لحنياً يليق بها. لم تكن ألحانه زخرفة، بل كانت أرواحاً تسكن الكلمات وتمنحها حياة.

 ومن لا يتذكر "يا حريمة"، أو "مالي شغل بالسوك"، أو "حبيبي انساني" واغنية "رديت" التي كتبها الشاعر هادي العكايشي ، هذه الاغاني التي غنّاها حسين نعمة،وكان يقف الملحن "محمد جواد اموري" خلف أولى خطوات حسين نعمة ونجوميته اللاحقة في اغاني خالدة مثل اغنية "حبايب" التي كتبها الشاعر كاظم الرويعي واغنية "راحن وانگضن ايامنا الحلوة" واغنية "جاوبني تدري الوكت" بصوت حمل حزن الجنوب، وعشق دجلة، ودمعة بغداد.

لحّن لأكثر من ثلاثين مطرباً عراقياً، من فؤاد سالم الذي غنى له اغنية "روجات المشرح" التي كتب كلماتها هادي الشربتي ، وفاضل عواد الذي غنى له اغنية "گلايد" من كلمات الشاعر عريان السيد خلف واغنية "صبر شموع" من كلمات الشاعر كاظم الرويعي ، والمطرب قحطان العطار غنى له اغنية "اثر فرحة" كلمات الشاعر كامل العامري، الى المطرب ستار جبار الذي غنى له اغنية "ماچنك هذاك انت" من كلمات الشاعر علي العضب ، مضر محمد ومن مائدة نزهت إلى نغم محمد وباسم العلي الذي لحن له اغنية "اوگف يازمن" من كلمات الشاعر سعد صبحي السماوي . اكتشف حميد منصور، وقدّم له “توصيني” و”طير الحباري”، وللمطرب "سعدي الحلي" لحن اغنية "يمته الگاك" واغنية "عيوني مساهرات الليل" ،وللمطرب الشهيد "صباح السهل" الذي اعدمته سلطات صدام لحن اغنية احبها ملايين العراقيين وهي اغنية "اخذ شوگي" من كلمات الشاعر كاظم الرويعي واغنية "بلاية وداع" من كلمات الشاعر عريان السيد خلف ، وللمطربة امل خضير لحن اغنية "انا ياطير"، وللمطربة انوار عبد الوهاب اغنية "عد وانه عد ونشوف" واغنية "دادا مو راحت علينا" واغنية "غربة وتمر الليالي" من كلمات الشاعر طاهر سلمان واغنية "مرات" من كلمات الشاعر طارق ياسين، واغنية "لا ياجسر من كلمات الشاعر كريم العراقي" واغنية "دادا حسن"، وللمطرب كريم حسين لحن اغنية "بعد اليوم".وبصوته الشجي غنى كثير من الاغنيات التي اشتهرت بفضل اداءه الحساس مثل قصيدة "ردي ردي " التي كتبها الشاعر عريان السيد خلف ، واغنية "على حطة ايدك" التي كتبها الشاعر كريم العراقي، واغنية "وداعة الله" التي غناها لزوجته التي رحلت مبكراً وظل يغنيها كثيراً بعد رحيل ولده "نصير" احد ضحايا حروب صدام العبثية ، واغنية "عمري محطة سفر" يتفجع فيها احبته الراحلين وهي من كلمات الشاعر كاظم اسماعيل الگاطع واغنية "ياگمر يابو الليالي" من كلمات الشاعر ناظم عبد الله .

 اما المطربة سلوى الجزائرية فقد غنت له اغنية "اخ بوية " والاغنية في الاصل للمطرب الريفي ناصر حكيم ، وغنى له المطرب الكويتي عوض دوخي اغنية "هل جفاك النوم" من كلمات الشاعر جعفر الاديب.

تميز أموري بقدرته على التنقل بين الريف والمدينة، بين الحزن الشفيف والنشوة المحتشدة، بين البساطة الفطرية والعمق الأكاديمي. لم يكن مجرد موسيقار، بل كان مشروعاً فنياً متكاملاً، يعرف النوتة، ويقود الأوركسترا، ويعزف على معظم الآلات، ويكتب لحنًا لا يموت .يضع العراق في قلب أعماله الفنية، ويعبّر عن صوت الناس ووجدانهم . 

عاش سنواته الأخيرة مثقلاً بالمرض والإهمال، وكأن الزمن الذي صنعه نسيه. حتى غادر في 11 تموز 2014، في يوم من أيام رمضان، بعد حادث دهس ومعاناة صحية طويلة. لكنه لم يرحل كغيره، بل بقي، لأنه ترك في كل بيت عراقي أغنية، وفي كل ذاكرة لحناً، وفي قلب كل عاشق تنهيدة.

رحل محمد جواد أموري، لكن العراق لا ينسى من يعزف وجعه. سيبقى اسمه محفوراً بين أوتار العود، وفي نغم الكمان، وفي أصوات أولئك الذين غنّوا لنا العراق بلحنه.

سلامٌ عليكَ في الخالدين، يا موسيقار الوجدان العراقي.