كتابة رحيم الحلي

التقيتُ به في الحلة في ربيع 2013، أثناء مشاركته في مهرجان الثقافة في بابل، وكان معه الملحن طارق الشبلي. حينها، اتصل بي طارق الشبلي من البصرة ليخبرني أنهما في طريقهما للمساهمة في إقامة أمسية موسيقية على مدرج بابل، فقدمتهما على هواء إذاعة اتحاد الشعب من بابل.  

وفي نيسان 2014، زرتُ البصرة لعيادته في منزله عندما مرض، وكان لقاؤنا مليئاً بالفرح، إذ أكد لي أن الفنان يعيش في قلوب محبيه ويترك أثراً دائماً في نفوسهم.

البصرة مدينة المبدعين

في ذاكرة الفن العراقي، تحتل مدينة البصرة مكانةً خاصة، لا لكونها فقط منبعاً للمواهب، بل لأنها أنجبت قامات موسيقية سامقة أثرت الذائقة العراقية والعربية، ومن بينهم يأتي اسم الفنان الكبير مجيد العلي (1933 – 2014) كأحد أبرز الرموز التي رسخت ملامح الهوية الموسيقية لجنوب العراق.

ولد مجيد العلي في منطقة التنومة، مركز قضاء شط العرب بمحافظة البصرة، في بيت بسيط من عائلة متوسطة، حيث كان والده يعمل في سلك الشرطة. رغم الحياة المتواضعة، كانت الأجواء العائلية مشبعة بالفن، فقد كان شقيقه الأكبر فرحان أول من أشعل شرارة العشق الموسيقي في داخله، إذ كان يعزف العود ويقود فرقة "الخشابة" التي جمعت أبرز الأسماء الشعبية في الخمسينيات.

أكمل مجيد العلي دراسته في الإعدادية المركزية بالعشار، ثم عُيّن في مصلحة الموانئ عام 1956، وهناك التقى بالمهندس الإيرلندي "مستر داودلنك" الذي علمه النوتة الموسيقية والعزف الأكاديمي على آلة العود، ما شكّل منعطفاً حاسماً في حياته الفنية.

لم يكن العلي مجرد موسيقي، بل كان منظماً بالفطرة، أسس العديد من الفرق الموسيقية، بدءاً من فرقة نادي الاتحاد عام 1953، مروراً بـ فرقة نادي الميناء (1960)، وفرقة نقابة الموانئ (1971)، وفرقة نقابة الفنانين (1974)، وصولاً إلى فرقة البصرة للفنون الشعبية (1976)، وفرقة تلفزيون البصرة (1983) التي ترأسها أيضاً.

حارس التراث البصري

من خلال فرقة البصرة للفنون الشعبية، استطاع العلي أن يصون ملامح الفن الشعبي الجنوبي، ويقدمه في مهرجانات دولية مرموقة في تونس، الجزائر، ألمانيا، والاتحاد السوفيتي. وكان لتلك المشاركات أثرها في ترسيخ صورة البصرة كحاضنة للفنون الشعبية ذات الطابع الأصيل.

الإعلام والتلفزيون

برز اسم مجيد العلي أيضاً في المجال الإعلامي من خلال برامجه الموسيقية التي أعدّها وقدّمها بنفسه، مثل "عالم النغمة" و"مواهب من الجنوب". الأخير كان منصة حقيقية لاكتشاف وصقل المواهب الغنائية والموسيقية الشابة، وأسهم في إطلاق أسماء أصبحت لاحقاً من نجوم الساحة، مثل عازف الغيتار بيرج والمطرب علي جودة.

الانتاج اللحني

يُعد العلي واحداً من رواد الأغنية البصرية، ومن أبرز ألحانه:

"على درب الهوى" (1964) غناء أمل خضير

"أبو بلم عشاري" (1970) بصوت فؤاد سالم

"مرك حلو"، "لا تبتعد"، "يا دنية"، و"عيونك بحر" وهي من إنتاجات تلفزيون البصرة في الثمانينات

كما لحّن أعمالاً للعديد من الأسماء البصرية مثل عبد الجبار البصري، مهدي كاظم، ذكرى، وجنان ماجد.

التدريس والخبرة الاكاديمية

بعد توقفه عن العمل التلفزيوني إثر اندلاع الحرب العراقية الإيرانية، انتقل للعمل في دائرة النشاط المدرسي، ثم عاد عام 1988 إلى البصرة ليحاضر في معهد الفنون الجميلة، وأصبح خبيراً موسيقياً في كلية الفنون الجميلة عام 2003، حيث درّس مواد مثل التراث الموسيقي، آلة العود، التذوق الموسيقي والإنشاد.

وداع بصري حزين

أُصيب الفنان مجيد العلي بجلطة دماغية، وتوفي في مستشفى الموانئ عام 2014، تاركاً خلفه إرثاً فنياً غنياً ومتنوعاً، ومئات التلاميذ الذين حملوا شعلته وواصلوا الطريق الذي بدأه في الخمسينيات، بصدق وإيمان برسالة الفن.

لقد شكّل مجيد العلي حالة فنية متكاملة، لم يكن ملحناً وحسب، بل كان مربياً، مؤسساً، مكتشفاً للمواهب، وراعياً للتراث. وقد نجح بجهده الذاتي وإيمانه العميق بالموسيقى أن يصنع من البصرة مركز إشعاع فني يستحق الاحترام والاعتراف، وسيظل اسمه محفوراً في ذاكرة الموسيقى العراقية كأحد أعمدتها الكبار.