عبد الرزاق حسين .. حتى نكاد نكون قد نسيناه، من كثر ما صمت، ومن قلة ما نشر، ومن كثر ما افترقنا عنه، وهو الذي اختزن القصيدة، وتعلمنا الإبداع والوفاء منه. 


أتذكره ليس في مقهى، ولا في زقاق الحارات البصرية، كنت أراه يوميا في مطبعة جريدة الثغر البصرية، ذلك الشاعر الرشيق المبتسم، كنت ألتقيه كل يوم في المطبعة، وأرى أمامه منضدة طويلة سوداء مصبوغة بحبر المطبعة، وعليها خانات بعدد الحروف الأبجدية البالغ عددها ثمانية وعشرين حرفا، وتصبح تسعة وعشرين حين نفصل الهمزة عن حرف الألف. فكيف كان الشاعر عبد الرزاق حسين يصف الكلمة حرفا حرفا. 

كان يقف أمام منضدة الحروف وخاناتها، وهو يلبس المعطف الرقيق الأبيض، وكأنه طبيب محترف، يصف الحروف لتصبح كلمات، والكلمات لتصبح جملا، والجمل لتصبح صفحات، والصفحات لتصبح جريدة، وحين يكتمل بناء الصفحة بكل مقالاتها، يشدها بخيط يسمى "السوتلي" وهو خيط قوي يمسك الصفحة حتى لا تفرط وتتبعثر الحروف فيصعب لمها وإعادة توزيعها وتنضيدها وعلينا أن نعرف كم من الوقت يعطي الشاعر "عبد الرزاق حسين" من يومه حتى يصف كل صفحات الجريدة. 

يعمل من الصباح حتى المساء قبل أن توضع "صينية الصفحة الواحدة" في جوف المطبعة، لتبدأ الماكنة تدك الورق كي يصبح الورق جريدة، لنقرأ في اليوم التالي ثغر البصرة .. وكثيرا ما ينسى أن ينشر من شعره الجميل قصيدة في صحفة الثغر الثقافية، لحين ان نعتب عليه في يوم عطلة الجريدة، ويأتينا إلى كازينو البدر على ساحل نهر شط العرب، فنسمع منه شعراً ينسى أن ينشره في الجريدة .. الله يا عبد الرزاق حسين، ما أعظم صبرك، وما أجمل شعرك، وما أعظم تواضعك .. ثم لماذا ترفض الإعلان عن نفسك شاعراً مرهفاً.. الى هذه الدرجة من التواضع أنت، أم أن حقد الحاكمين أبعدك عن الأضواء، أم أنت لا تشتهيها..

 لقد فرضت علينا قسوة النظام وقسوة الأحزاب الخائبة، أن نبتعد مسافات عن نخيل البصرة وعن كل العراق بكل تاريخه المشرف والعظيم .. وصرنا لا نعرف لهجتنا أو نسيناها .. ويوم عدنا للوطن نسينا أهل العراق، وظنوا أننا جئناهم ضيوفا من لبنان أو من فلسطين أو من بلاد الشام .. وكثيرا ما سألني سائق التاكسي "حضرتك فلسطيني" ؟ فهل أنستنا الغربة شخصك العظيم والطيب، مثل ما أنستنا الغربة لهجة العراق، ولهجة البصرة التي كنت تضمن بعض قصائدك من مفرداتها ..

 أنت يا عبد الرزاق حسين، إنسان عظيم، والعظمة لا تستدل من الشهرة، فكم من شهير قاتل وكم من شهير سافل .. فالشهرة سهلة والصعب هو الإبداع، وقد كنت المبدع البصري حقا، والمتواضع البصري حقا ..

 وقد أبكيتنا في رحيلك، أنت الذي كنت تضحكنا حد البكاء .. لست من أصحاب الكروش، لأنك لست من أصحاب الهريسة والسمنة .. لم يكن وزنك في مجمله يزيد عن خمسين كيلوغراما، ولكنك تزن في جدول المعرفة والشعر والثقافة وزنا يحسب له حساب التفوق.. صدقا كنت معلما، عرفنا وتعلمنا منك أبجدية حروف المطبعة وحروف المقالة وحروف الروايات والقصص والمسرحيات ..

 كنت تشكل المعادل الموضوعي حين نلتقيك ونستمع إليك .. وسنظل نستمع إليك وسيظل صوتك ماثلا في وجداننا .. وستظل ابتسامتك نوراً في صورك الفوتوغرافية التي خسرنا الكثير منها، خسرنا تلك الذكريات، فالفاشية لا تريد أن تبقي في أرشيف العراق صورة لنا، ولقطات من أفلامنا معتقدين، بأنهم، سوف يمحون ذكرنا من الوجود .. وسيرتعبون حين ترى سلالتهم صورنا مرسومة ومطبوعة في غيوم السماء " غصبن عليهم" .. وداعاً أيها الصديق المعلم، وأنت ترحل صامتا .. فالشرفاء يرحلون دائما، صامتين .!