يسألني كثير من الاخوة المصريين ممن عملوا في العراق سابقا أو يعملون فيه حاليا عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن سر الكرم المتأصل في الانسان العراقي وعن ذلك الحب الكبير للضيف الذي يصل أحيانا الى حد التفاخر بخدمته وإكرامه من دون استثناء ، فالصغير كريم والكبير مضياف والمرأة والرجل يتسابقان في إكرام الضيف .


وتأتي اجاباتهم غالبا في اطار الأصالة والطابع العربي المعروف بالكرم والضيافة ، غير أن الاجابة في تقديري أعمق من ذلك بكثير وأبعد من مجرد موروث اجتماعي أو عادة عربية أصيلة ، انها النخوة والشهامة والكرم الذي ترسخ في وجدان العراقيين عبر تاريخ طويل من التضحية والفداء وتجلى بأبهى صوره في المناسبات الدينية وفي مقدمتها الزيارة الأربعينية إلى مرقد سيد الشهداء الامام الحسين (عليه السلام) في كربلاء المقدسة .


والحقيقة أن كرم العراقيين وترحابهم بالضيف ليس ظاهرة طارئة ولا سلوكا موسميا ، بل هما قيم متجذرة في أعماق هذه الأرض وفي ذاكرة شعبها وفي تاريخها الذي شهد أقدس صور التضحية والفداء .


وما لا مناص من ذكره والإقرار به أن الدماء الزكية الطاهرة التي سالت من أجل آل بيت النبي محمد (صلى الله عليه وآله) وقيمهم ومبادئهم أورثت هذه الأرض وأهلها معنى مختلفا للكرم، معنى يتجاوز الطعام والشراب والضيافة ، ليصل إلى نكران الذات والشجاعة والبذل والتضحية بالنفس في سبيل المبدأ والحق


فالامام الحسين (عليه السلام) لم يجد بالمال وحده وانما جاد بالنفس والأهل والأصحاب وقدم أعظم درس في التضحية والفداء ومن هذا العطاء الحسيني العظيم نشأ في نفوس عشاقه معنى آخر للسخاء ، سخاء لا يتوقف عند نصب الموائد وتقديم الطعام بل يمتد الى الاستعداد لبذل النفس والروح والدم من أجل نصرة القيم والمقدسات والدفاع عن المظلومين والمستضعفين غير عابئين بالأهوال والتضحيات .

انها تركة شعارها الخالد ......

«الجود بالنفس أقصى غاية الجود» .


ومنذ أن سالت تلك الدماء الزكية الطاهرة للعترة المحمدية ، كان لا بد أن تزهر من بعدها قيم العطاء والكرم والشهامة وأن تنبت في هذه الأرض أجيالا ترى في خدمة الآخرين شرفا ، وفي إكرام الضيف فخرا وفي البذل والعطاء طريقا الى الخلود .


ولذلك من المحال أن تجد في أي بقعة من بقاع الأرض مشهدا يماثل مشهد السخاء الذي يتفرد به الحسينيون وهم يبذلون أموالهم وينصبون موائدهم ويفتحون بيوتهم ويقدمون كل ما يملكون لخدمة زوار الإمام الحسين (عليه السلام) الذين تتوافد الملايين منهم من كل حدب وصوب .


إنها صورة لا يمكن اختزالها في كلمات ولا تفسيرها بالأرقام ولا فهمها بعيدا عن عمق العقيدة والارتباط الوجداني بالإمام الحسين (عليه السلام) .

ملايين الزائرين ، وملايين الأيدي التي تمتد بالعطاء وملايين القلوب التي ترى في خدمة الزائر شرفا وواجبا وعبادة .


فطوبى للحسينيين الذين اقتدوا بنهج الامام الحسين (عليه السلام) في البر الاجتماعي والإنساني وجعلوا من الكرم مدرسة ومن العطاء سلوكا ومن خدمة الناس قيمة راسخة .

وطوبى لمن تلقوا من الحسين دروس الوعي والعزم والإصلاح والثبات على المبادئ ، وبذلوا كل ما يملكون من أجل أن تبقى صورة عراق الحسين شامخة أبية وأن يبقى هذا الوطن رغم كل ما مر به من محن شاهدا على أن الدم الطاهر لا يموت ، وأن القيم العظيمة لا تدفن ، إنما تظهر في سلوك الناس وتكبر في نفوس الأجيال .

ذلك هو عراق الحسين ... عراق الجود والكرم والشهامة ، عراق لا يكتفي بأن يفتح أبوابه للضيف بل يفتح له قلبه وبيته وماله ، وربما يجود له بما هو أعظم ... بنفسه .