في الفكر العرفاني والصوفي ، لا تُقاس الأحداث بالزمان والمكان ، ولا تُوزن بموازين المادة ، بل بمدى انعكاس النور الإلهي فيها وسعة وعائها الغيبي . ومن هذا المنطلق السامي ، يرى العارفون أن حركة الإمام الحسين (عليه السلام) لم تكن مجرد صراع سياسي أو مواجهة عسكرية فرضتها ظروف مرحلية ، بل كانت (ملحمة توحيدية كبرى) ، وتجلياً كاملاً ومشهداً شاخصاً للأسماء الإلهية الحسنى في مرآة الوجود الإنساني .
وتبدأ أولى تجليات هذا المشهد الروحاني من مفهوم (الحقيقة المحمدية والامتداد الروحي) ، ففي العرفان النظري ، تُمثل هذه الحقيقة الصادر الأول عن النور الإلهي ، والأصل التكويني للوجود الروحي في الكون. ومن هنا ، يستقرئ العارفون في قول النبي (ص): ((حسين مني وأنا من حسين)) ، دلالة ماورائية بالغة العمق والسرية . فعبارة (حسين مني) تمثل الامتداد الطبيعي والبيولوجي والروحي للرسالة ، في حين تجيء عبارة (أنا من حسين) لتعلن أنه لولا التضحية الماورائية الكبرى التي قدمها الحسين(ع) في كربلاء ، لانمحت تلك الحقيقة النورانية من عالم الأرض ، ولأُغلق الوعاء الروحي للرسالة الخاتمة .
هذا الحفظ للوعاء الرسالي لم يكن ليتحقق إلا عبر ارتقاء الحسين إلى مقام (الفناء الباقي) وصهر الوجود . وهو أعلى مقامات العرفان وأشدها تجرداً ، حيث يسقط العارف كل تطلع ورغبة ونظر لغير الذات الإلهية العلية . وفي كربلاء ، تجلى هذا المقام في أبهى صوره الميتافيزيقية ، إذ تحولت تلك البقعة إلى مختبر روحي عظيم ، أقدم فيه الحسين على تجريد نفسه من كل التعلقات المادية والكونية من مال وأهل ونفس ، ليبقى متصلاً بالحق المحض . وفي هذا الفضاء النوراني ، يتردد صدى الشاهد الروحي الشهير المنسوب لسان حاله في لحظاته الأخيرة:
( تركتُ الخلق طُراً في هواكا ... وأَيتمتُ العيال لكي أَراكَا)
وهي عبارة تلخص المفهوم الماورائي للحب الإلهي ، حيث يستحيل الألم الجسدي الظاهري إلى (لذة شهودية) باطنية ، لأن عين العارف في تلك اللحظة لا ترى في الوجود إلا الله .
ومن هذا الفناء الروحي ، تتحول كربلاء إلى مركز طاقة كوني عابر للزمان والمكان ، فالحدث الذي وقع فيها يمثل خرقاً ناموسياً للوعي البشري المعتاد . ويرى العارفون أن تلك الدماء الزاكية التي سُفكت ، لم تبتلعها الأرض ، بل صعدت كطاقة نورانية علوية أعادت تشكيل التركيبة الروحية للعالم الإنساني ، لتغدو كربلاء بوابة طاقية دائمة الاتصال بالملكوت . ومن هذا الأفق ، يكتسب الشعار الرمزي (كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء) بعداً عرفانياً متجدداً ، فالصراع بين النور الباطني (العقل ويمثله الحسين) والظلمة الباطنية (الجهل ويمثله يزيد) ليس حدثاً تاريخياً قديماً ، بل هو معركة ميتافيزيقية مستمرة تُخاض في قلب كل إنسان وفي كل لمحة ونفس .
إن هذا التدفق الطاقي المستمر يقودنا إلى سر (الفداء الروحي) والتطهير الكوني ، حيث يقدم الكائن النوراني الأعلى تضحية كبرى ليفتح طريق الهداية والتزكية للبشرية التي استغرقت في مادياتها وظلماتها . لقد كان استشهاد الحسين (عليه السلام) بتلك الطريقة المأساوية بمثابة مغناطيس روحي هائل ، يجذب القلوب القاسية ويهز الوجدان الإنساني العميق ، ليوقظ (الفطرة الإلهية) النائمة داخل كل فرد من خلال العاطفة الشجية والحزن الروحي الواعي (البكاء البصير) ، الذي يغسل أدران النفوس ويهيئها للترقي .
ختاماً ، إن الحسين (ع) في عين العارف ليس قتيلاً في كربلاء ، بل هو (سلطان العشق الإلهي) السرمدي ، الذي أثبت بالدليل الماورائي الشاهد والعملي أن الروح الإنسانية قادرة على تحقيق الانتصار التام على المادة ونواميسها ، وأن الموت في سبيل الحق ليس غياباً ، بل هو البوابة الوحيدة للبقاء السرمدي في مقعد صدق عند مليك مقتدر .
التعليق عبر فيسبوك