البيت بيت أبونا والغُرب عايزين يطردونا.
في مشهد يجسد ذروة الوهن الأمريكي اخترقت ناقلة نفط إيرانية عملاقة جدار الحصار المزعوم، عابرة مضيق هرمز بجهاز تتبع مفتوح وتحدي صارخ لكل أساطيل واشنطن.
واخرى تعبر على الرغم من تهديدات الحصار البحري، تمكنت ناقلة النفط الإيرانية المدرجة على قوائم العقوبات التي تحمل اسم (أليشيا) المحملة بالنفط الخام من عبور مضيق هرمز والممر المائي الخاضع لمراقبة إيران بين جزيرتي هرمز ولارك بنجاح.
وبينما كانت القيادة المركزية تتبجح بقدرتها على إغلاق البحر، مرت الناقلة المحملة بمليوني برميل وكأنها شبح يصفع غطرسة المدمرات الامريكية، لتثبت أن القوائم السوداء والعقوبات ليست سوى أوراق بلا قيمة أمام إرادة ايران التي تعرف طريقها جيداً .
وواشنطن .. التي تدعي السيطرة المطلقة على الممرات البحرية وقفت مشلولة، عاجزة حتى عن اعتراض سفينة لم تخفي نفسها ولم تلجأ إلى التمويه، وكأن الرسالة الميدانية تقول بوضوح إن البحر لمن يملك الجرأة على الفعل وليس لمن يخضع لـكلام الإعلام الرنان .
فهنا سقطت هيبة الحصار الوهمي تحت أقدام الإرادة الإيرانية التي حولت التهديدات الأمريكية إلى مجرد عنجهيات سياسية لا تغير شيئاً في هذه المعادلات للواقع .
فهل يجرؤ البعبع الأمريكي على الحراك، أم أن الصمت سيبقى خياره الوحيد أمام هذا المشهد؟
وبينما.. تتضارب الروايات حول حادثة العبور هذه، فهناك مصادر إيرانية تؤكد حصول الاختراق، فيما تسعى مصادر أخرى إلى نفيه. فإن صح ما تؤكده طهران فذلك ينسجم تماماً مع الصورة التي تكشف هشاشة الحصار المزعوم، أما إن صح النفي فلا يستبعد أن يكون جزءاً من المهاترات السياسية التي اعتادها ترامب ، خاصة مع استمرار مسار التفاوض. وفي كل الأحوال تبقى واشنطن حذرة، لأنها تأكدت في الامس القريب كيف تأتي الردود الإيرانية أحياناً من زوايا غير متوقعة.
كما ان الأمر لا يقف عند حدود المعترك في الميدان، فهو يتعداه إلى الداخل الأمريكي والغربي نفسه، حيث تتصاعد الأصوات المنتقدة لسياسات واشنطن وقيادتها. فكيف يمكن لقيادة تواجه هذا الكم من الاعتراضات والانتقادات، بل وحتى التشكيك في أهليتها للحكم، أن تقود مواجهة كبرى أو تفرض إرادتها على العالم؟
ففي تصريح لافت، لم يستبعد زعيم حزب الديمقراطيين الأحرار البريطاني ( إد ديفي ) أن يطرح الحديث عن التعديل الخامس والعشرين للدستور الأمريكي، وهو التعديل الذي يسمح بعزل الرئيس إذا عد غير مؤهل للحكم، وذلك على خلفية تصرفات ترامب الأخيرة.
ولم يكتفي بذلك، فهو وجه انتقاد شديد لترامب قائلاً إنه لا يمكن التعامل معه كقائد للعالم الحر ووصفه بأنه { مجرم خطير وفاسد }.
وهنا نسأل .. كيف لقيادة مشكوك في أهليتها من داخل العالم الغربي نفسه، وتواجه هذا الكم من المعارضة والانتقاد، أن تدعي القدرة على حسم صراع بهذا الحجم أو فرض إرادتها على المنطقة؟
وفي المقابل، تبدو بعض المواقف العربية وكأنها اختارت طريق المساكنة السياسية ( الاغتصاب السياسي ) مع الضغوط الخارجية، حتى أصبح ما يسمى أحياناً (حكمة دبلوماسية) حتى تبدوا أقرب إلى محاولة للتكيف مع واقع مفروض وليس إلى صناعة واقع جديد. ولهذا يقول ابو المثل .. أعرج يسحب مكسح ويگله تعال نتونس ، فهذه صورة تختصر حال من يتحدث عن انتصارات وهمية وهو بالكاد يملك قرار نفسه.
فكيف يتحدثون عن انتصار بينما الخسائر المعلنة بهذا الحجم؟ فبحسب ما نقلته التايمز عن تقرير استشاري، فإن تكلفة إصلاح منشآت النفط والغاز المتضررة في الخليج قد تتراوح بين 30 و50 مليار دولار. وهنا المصيبة .. أين هو الانتصار إذا كانت كلفة (الانتصار) بهذا الثقل !!؟
إن الأرقام المرعبة حين تتكلم تسقط كثيراً من الخطابات الدعائية، وتكشف أن ما يسوق أحياناً على أنه تفوق أو حسم للمعركة ليس إلا محاولة لتجميل واقع مثقل بالخسائر، بينما الحقيقة تبقى واضحة. .
التعليق عبر فيسبوك