دخلت الحرب أسبوعها السادس وترامب يطلب مهلة اخرى من مواطنيه. قبل اندلاع المواجهة، ساد في الأوساط السياسية والإعلامية الأمريكية تصورٌ واضحٌ ومباشر: حرب سريعة، حاسمة، لا تتجاوز أياماً معدودة. كان السيناريو المرسوم يستند على إسقاط النظام في إيران، شلّ قدراته العسكرية، فرض السيطرة على منابع الطاقة، وضمان هيمنة كاملة على مضيق هرمز، بما يؤدي في النهاية إلى إنهاء ما تصفه واشنطن وتل أبيب بـ“أذرع إيران” في المنطقة. بعد مرور شهر كامل، وبعد خطابٍ دام ثماني عشرة دقيقة للرئيس ترامب٫ استند جله على تغريداتٍ سبق وأن نشرها على منصته الخاصة (social truth)٫ بدأت الرؤية تتضح أكثر. تصوراتٌ  هي أقرب إلى التمنيات منها إلى الواقع. في بداية الحرب، رُوّج لفكرة أن التفوق العسكري الأمريكي–الإسرائيلي كفيل بحسم المعركة خلال أيام. التكنولوجيا المتقدمة، سلاح الجو، القدرات الاستخباراتية، كلها عناصر دعمت هذا التصور. غير أن ما حدث على الأرض كشف عن فجوة كبيرة بين التخطيط والتنفيذ. امرٌ اُستبعد ان تقدُم عليه دولة بحجم الولايات المتحدة الأمريكية. فإيران، رغم الضربات المكثفة، لم تنهار ولم يسقط النظام، ولم تتفكك مؤسسات الدولة، بل استمرت في العمل، ولو تحت خسائرَ وضغطٍ شديدين. هذا الصمود لم يكن ضمن الحسابات الأولية، وهو ما أعاد طرح تساؤلات جوهرية حول دقة التقديرات الأمريكية.

هرمز لا يزال في قبضة إيران

أحد الأهداف غير المعلنة للحرب كان تأمين السيطرة على تدفقات النفط، خصوصاً عبر مضيق هرمز، الشريان الحيوي للطاقة العالمية. لكن بعد شهرٍ من الحرب، لم تتحقق هذه السيطرة بالشكل المتوقع. بل على العكس، شهدت المنطقة اضطرابات متكررة، وتهديدات مستمرة للملاحة، ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط وزيادة القلق في الأسواق العالمية.

وهنا وفي خضم التطورات العسكرية  وتبادل النيران بين الطرفين٫ يقرر البرلمان الايراني فرض رسوم للسفن المارة بالمضيق. ليضع ترامب في موقف محرجٍ آخر. هذا الفشل النسبي للجانب الأمريكي الكياني في فرض السيطرة و الإنهاء السريع للحرب٫ يضع علامات استفهام حول القدرة الأمريكية  على النفاذ من هذه الحرب بأقل الخسائر، في ظل إخفاق عسكري واستخباراتي ونقص حاد في العتاد.

بعد شهر من الحرب على ايران وبعد سيلٍ من الاغتيالات طالت قيادات بارزة لما يصفه الخطاب الأمريكي "الاذرع الايرانية في المنطقة"  تشير المعطيات إلى أن هذه القوى لم تختفِ، بل لا تزال حاضرة بقوة، وبعضها زاد من نشاطه. هذا يعني أن الحرب لم تحقق أحد أبرز أهدافها الستراتيجية، بل ربما ساهمت في إعادة تنشيط هذه الأطراف بدلًا من إضعافها. لا يمكن إنكار أن إيران تكبدت خسائر كبيرة٫ البنية التحتية تعرضت لضربات، مدن تضررت، وعدد الضحايا في ارتفاع مستمر، ومع هذ كله٫ لا تزال إيران تحتفظ بمركز الصدارة في الايلام لأمريكا والكيان.

وفي المقابل، لماذا أمريكا والكيان بمنأى عن الخسائر؟

الكيان يواجه تهديدات أمنية مستمرة، وتعرض لضغوط داخلية متزايدة. الاقتصاد تأثر، وحالة القلق داخل المجتمع تصاعدت. أما مشاكل الملاجئ وبناها التحتية بدأت تبرز للسطح وقد يكون واقع الملاجئ الصهيونية أحد أهم الحقائق التي تراهن عليها إيران في زيادة تصدع الأمن القومي للكيان.

أما الولايات المتحدة، فرغم بعدِها الجغرافي، فإنها تواجه كلفة سياسية واقتصادية وحتى امنية متزايدة لما تشهده شوارع الولايات الخمسين من مظاهرات متزايدة٫ فأي حرب طويلة تعني إنفاقاً أكبر، وضغطاً داخلياً، خاصة في ظل تساؤلات متزايدة حول جدوى هذه الحرب. السؤال الذي تجاوز حدود الولايات الأمريكية ليتفشى في الشوارع والصحف الأوروبية. الفجوة بين التصريحات الأولية والواقع الحالي بدأت تخلق حالة من الشك. عندما يُقال إن الحرب حققت اهدافها وستنتهي خلال أيام، ثم تمتد لأسابيع دون نتائج حاسمة، فإن ذلك يضعف الثقة في الرواية الرسمية. وهـذا ما تسبب في تفريق الحشود المؤيدة لدونالد ترامب وخفض  شعبيته لتصل الى ستٍ وثلاثين بالمئة حسب أحد الاستطلاعات. هذا الصدع لا يقتصر على الداخل الأمريكي، بل يمتد إلى الحلفاء أيضًا، الذين بدأوا يتساءلون عن وضوح الرؤية والاستراتيجية.

مع استمرار القتال دون تحقيق الأهداف المعلنة، تزداد الريبة حول طبيعة هذه الحرب. هل كانت التقديرات خاطئة؟ أم أن هناك خطة رسمتها الادارة الامريكية للوصول الى هذا المنعطف؟ كل المؤشرات تقول ان ما تمر به الولايات المتحدة الامريكية الان في هذه الحرب٫ لم يكن مخططا له. والغموض الذي يكتنف مستقبل هذه الحرب يعزز الراي الذي يرجح بأن الصراع قد يكون مفتوحاً على سيناريوهات غير محسوبة في منطقة معقدة مثل الشرق الأوسط. ففي ضوء المعطيات الحالية، يمكن تصور عدة سيناريوهات منها تصعيد أوسع٫ إذ قد تلجأ الأطراف إلى توسيع نطاق العمليات في محاولة لتحقيق حسم متأخر، ما يعني دخول أطراف جديدة وتصاعد المخاطر. أو ربما قد تؤول الأمور الى حرب استنزاف طويلة وهو السيناريو الذي يميل إليه الجانب الايراني اكثر من غيره. المؤشرات الحالية لا تدعو للتفاؤل فكلما طال أمد الحرب، زادت احتمالات الانزلاق نحو سيناريوهات أكثر خطورة وربما ينتهي المطاف الى حرب نووية متعددة الأطراف. هذه الاحتمالات تجعل من الصعب الحديث عن نهاية قريبة أو سهلة لهذه الحرب التي تسببت بها حماقة رجل مجنون./انتهى