كتب / جعفر العلوجي

حين يطرح سؤال الحرب على إيران، غالبا ما يقدم المشهد بطريقة تختزل الحقيقة وتغفل جذورها العميقة فايران منذ عقود لم تكن دولة تبحث عن حرب بقدر ما كانت تواجه ضغوطا متصاعدة ومحاولات مستمرة لتقييد قرارها السيادي ومنذ انتصار الثورة الاسلامية في إيران، دخلت البلاد في مواجهة مفتوحة مع قوى كبرى لم تتقبل فكرة قيام نظام مستقل يرفض الهيمنة ويعمل وفق رؤيته الخاصة، فكان الرد سلسلة طويلة من العقوبات والعزل السياسي والتهديدات العسكرية .

في هذا السياق لا يمكن فهم التوتر دون الاشارة الى أن ايران تعرضت مبكرا لمحاولة كسرها عسكريا عبر الحرب العراقية الإيرانية، وهي حرب استنزفت البلاد لثماني سنوات  ومع ذلك خرجت منها محافظة على كيانها، هذا الارث جعل من فكرة الدفاع الذاتي جزءا أساسيا من عقيدتها السياسية والعسكرية وهو ما يفسر سعيها لتطوير قدراتها، سواء في المجال الصاروخي أو النووي كوسيلة ردع لا كأداة عدوان .

أما ما يثار حول برنامجها النووي فهو في جوهره حق سيادي تكفله القوانين الدولية خصوصا أنه خضع لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية لكن المشكلة الحقيقية لا تكمن في البرنامج ذاته بقدر ما تكمن في الخشية من استقلال القرار الإيراني فالدول التي تمتلك ترسانات نووية لا تواجه الضغوط نفسها، بينما تحاصر ايران لمجرد سعيها لامتلاك التكنولوجيا وهو ما يكشف ازدواجية المعايير في التعامل معها

إلى جانب ذلك فان دور ايران الاقليمي يصور غالبا كتهديد، بينما يمكن قراءته من زاوية مختلفة تماما اذ ترى طهران أنها تدعم قوى وشعوبا في مواجهة الاحتلال أو الارهاب وتسعى لخلق توازن يمنع الهيمنة المطلقة لأي طرف في المنطقة وهذا الدور وان كان يزعج خصومها، الا أنه بالنسبة لها جزء من منظومة أمنها القومي، لأن نقل المواجهة بعيدا عن حدودها يعد وسيلة لحماية الداخل .

واذا اندلعت الحرب فأنها لن تكون نزهة لأي طرف، فايران أثبتت عبر السنوات أنها قادرة على الصمود والتكيف وأنها لا تعتمد فقط على قوتها العسكرية التقليدية، وانما على شبكة معقدة من الأدوات السياسية والاستراتيجية وهذا يعني أن أي مواجهة ستتحول إلى صراع واسع قد يعيد رسم خريطة النفوذ في المنطقة، ويكشف أن كلفة كسر إيران أعلى بكثير مما يتوقعه خصومها .

في النهاية لا تبدو ايران دولة تبحث عن حرب، بل دولة تدفع اليها تحت ضغط مستمر ومع ذلك تحاول أن توازن بين الصمود وتجنب الانفجار الكبير، ومن هنا فان أي حرب عليها لن تكون مجرد صراع عسكري، بل اختبار لارادة دولة اختارت أن تكون مستقلة مهما كان الثمن في عالم لا يتسامح كثيرا مع من يخرج عن قواعده . .