أكبر خطأ ارتكبته أمريكا وإسرائيل هو اعتقادهم أن استهداف السيد علي خامنئي (طاب الله ثراه) يعني حسم المعركة.
وما تجهله هذه القوى هو أن إيران لا تسير بمنطق نهاية القائد تساوي نهاية المواجهة انما تسير بمنطق عميق واستراتيجي .. حين يستشهد القائد، يظهر البديل أشد قسوة وأكثر استعدادا لاستخدام كل ما كان محفوظ تحت القيود السابقة.
فإيران أوصلت بهذه الواقعة فكرة واضحة وصريحة جداً.. حين استهدف السيد علي خامنئي (طاب الله ثراه)، لم ينهار النظام ولا المعادلة تغيرت كما كانت موهومة بها ( الصهيوامريكية ) ، انما ظهرت قيادة جديدة أكثر صلابة وحزم.
كما الشهيد علي لاريجاني حين تولى القيادة في تلك المرحلة وأثبت أن استهداف القادة في إيران خطأ فادح لا يضعف المعادلة، فهو يعيد قوتها ويعيد تنظيمها بشكل أكثر حسماً.
وبعدها، ومع انتخاب السيد مجتبى خامنئي من مجلس الخبراء كمرشد أعلى، تأكدت الرسالة بشكل لا يقبل الشك..
فأي محاولة لإضعاف القيادة الإيرانية أو استهدافها لا تؤدي إلا إلى ظهور قيادة أشد شراسة، وأكثر قوة، وأكثر استعداداً لمواجهة أي خصم.
وبهذه الطريقة، إيران ثبتت قدرتها على الحفاظ على استمرارية القيادة، وإدارة المعركة بشكل استراتيجي محكم، وتحويل أي محاولة استهداف إلى دليل على قوة نظامها وصلابته، مما يجعل أي خصم مهما كانت قوته يواجه واقع لا يمكن التنبؤ بردود أفعاله.
وفي ظل هذا المشهد، وتحت قيادة المرشد الأعلى الجديد السيد مجتبى خامنئي، دخلت أمريكا وإسرائيل مواجهة بلا صورة واضحة وبلا يقين حول مركز القرار، لتبدأ أزمة من نوع آخر بالتشكل حول مركز القرار، فتفاقمت أزمة من نوع آخر داخل معسكرهم.
فالتناقضات في خطاب ترامب، والتذبذب في الموقف الأمريكي عموماً، عندها أصبحت القوة الإيرانية تحكم الإيقاع، في حين تظهر التناقضات الأمريكية والإسرائيلية بوضوح.
فحين تدخل أمريكا المعركة دون وضوح، وتصدر قرارات متناقضة بين التصعيد والاحتواء، فإنها لم تعد تمنح إسرائيل غطاءً حقيقيا، فهي تقيد حركتها ضمن سقف غير مستقر، وتجعل أي خطوة ميدانية محفوفة بالمخاطر.
وهنا يتشكل إدراكا جديدا داخل إسرائيل.. وأن المشكلة لم تعد فقط في قوة إيران أو طبيعة ردها،انما في أن الشريك الأمريكي نفسه لم يعد قادر على تقديم صورة حاسمة يمكن البناء عليها.
وهذا التراجع في وضوح الدور الأمريكي يفتح باب أخطر على اسرائيل.. من ناحية إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة، وهذا ليس فقط بسبب صعود القوى الايرانية، انما بسبب اهتزاز مركز القرار الامريكي ذاته.
كما ان إسرائيل، التي اعتادت أن ترى في الولايات المتحدة مظلة ثابتة، بدأت تقرأ المشهد من زاوية مختلفة..
من خلال التردد الأمريكي، وهذه الحسابات المتقلبة، وبين غياب صورة القيادة في إيران، وتشوش القرار في واشنطن، تجد إسرائيل نفسها أمام معادلة غير مسبوقة حليف قوي لكنه متردد، وخصم غامض لكنه متماسك.
وبهكذا صنعت ايران لإسرائيل رعب استراتيجي أمام طموحها في توسيع نفوذها.
وهذا بسبب غياب القيادة عن الشاشة ولهذا فقدت أمريكا ميزة كانت تملكها في السابق.. القدرة على (توقع السقف).
لان في السابق، عندما كان السيد علي خامنئي (طاب الله ثراه) كان هناك إدراك لحدود معينة.. مدى التصعيد، وطبيعة الرد، وثم إمكانية العودة إلى التفاوض. أما الآن، فهذه الحدود لم تعد واضحة. فأصبحت قرارات المعسكر الامريكي متناقضة..بسبب ضربات تنفذ دون يقين كامل، وتصريحات تطلق لمحاولة استدراج رد أو كشف موقع القيادة، وهنا بدأت محاولاتهم الإعلامية أين القائد؟ لماذا لا يظهر؟ وهل ما زال موجود؟ وهذا يعني أن أهم أدواتها سقطت دفعة واحدة وهي تحليل القائد.
كما ان هذه ليست تساؤلات شكلية، فهو تعبير واضح عن عجز في الوصول إلى الحقيقة بسبب حالة الفراغ المعلوماتي. لأن أمريكا تعتمد بشكل كبير على الصورة والتصريح، من خلال تحليل كلمة، او قراءة حركة.
وهذا ما جعل قرارات ألمعسكر الامريكي متناقضة ومهزوزة والعلاقة مع اسرائيل في هذه المرحلة تبدو مشتتة، بسبب هذه الاحتمالات ..هل أصابت مركز القرار فعلاً؟ أم أنها استهدفت أطرافا بينما العمق بقي بعيدا؟
وهل القيادة الحالية تأثرت؟ أم أنها امتصت الضربة وتستعد لرد مختلف تماما؟ .
كما كان الرد الاخير من ايران حول تهديدات ترامب بتدمير محطات ايران للطاقة بدءا من أكبرها، إذا ما لم تقم في غضون 48 ساعة بفتح مضيق هرمز. سرعان ما ردت عليه ايران بذات التهديد والوعيد متشبثة بسياسة (العين بالعين) التي انتهجتها منذ اندلاع الحرب فاستهدفت منشأة نطنز وعراد وديمونا . فكانت نسخة بسيطة من ردود القيادة سواء تمثل بشخصية مثل السيد مجتبى خامنئي أو بمنظومة أوسع فنحن أمام تحول لا يمكن قراءته بالأدوات التقليدية.
وامريكا بطبيعتها لم تتعود بالتحركات المبنية على الاحتمالات، والأخطر من ذلك، أن وجود قائد بديل غير مرئي يجعل كل ضربة توجهها امريكا او اسرى بلا يقين.. هل أصابت مركز القرار؟ أم مجرد سطح لا يكشف العمق؟
وبهذا تتحول حسابات الصهيوامريكية، من قرارات مبنية على معطيات، إلى رهانات مبنية على احتمالات وتصريحات تحاول سد فراغ لا يمكن ملؤه. وهنا وجد نفسه المعسكر الامريكي أمام معركة بلا صورة، وبلا قدرة حقيقية على فهم من يديرها، او كيف تدار؟؟ وهذه الاحتمالات ليست عادية، فهذه هي أساس أي قرار عسكري.
وحين لا تكون الإجابة واضحة، يصبح القرار نفسه مرتبك!! وبهذا ان غياب السيد مجتبى خامنئي عن الاعلام وعدم ظهوره على الشاشات ليس مجرد صدفة فحسب ،فهو كجزء من إدارة مدروسة للتشتيت . وهذا بالضبط ما يجعل الخصم مهما امتلك من أدوات يبدو قوي في الظاهر… لكنه في الداخل، يعمل داخل مساحة من الشك لا تقل خطورة عن أي هزيمة.
في المقابل، الرسالة التي تفرضها إيران من خلال هذا النمط واضحة كما ذكرنا في مقدمة الكلام، أن استهداف القادة لا ينهي المعركة، انما هو ينتج قيادة أشد، وأقل ثقة بأي تفاوض، وأكثر ميلاً للحسم.
وبهذا تكون إيران اليوم تتمتع بقوة عسكرية واستراتيجية تتحرك بوعي كامل، تدير الخصم من خلال الغموض والسيطرة على الإيقاع، وتعيد تشكيل الحسابات الأمريكية والإسرائيلية بشكل يجعل أي خطوة متهورة مكلفة للغاية. والمشهد القادم لا يعد بالسهولة للخصوم؛ فمن ارتكب الأخطاء في قراءة هذا التحول، سيكتشف أن القوة الحقيقية في المنطقة لا تتقارن بالأسلحة فقط، بقدر ما يكون بوضوح الرؤية والسيطرة على مسار الأحداث ،وهو ما تمتلكه إيران اليوم بلا منازع.
التعليق عبر فيسبوك