![]() |
|
|
3
مارس
2026
|
هل الشياطين حقاً مغلولة في شهر رمضان ؟ د.علاء صابر الموسوي
نشر منذ 2 ساعة - عدد المشاهدات : 8
|
غالباً ما نردد في مجالسنا أن (الشياطين مغلولة في رمضان) كأنها حقيقة قدرية تحدث بمعزل عن إرادتنا ، وكأن الصيام مجرد (إجازة إجبارية) لإبليس. لكن ، لو تأملنا بعمق في نص خطبة النبي (ص) ، لوجدنا أن الأمر ليس صكاً مجانياً ، بل هو عقد مشروط يحتاج إلى توقيعك الشخصي.
فالنص المنسي: (فاسألوا ربكم ألا يسلطها عليكم)....
لم يقل الرسول (ص) (مغلولة) ويسكت ، بل أتبعها بطلب استغاثة (فاسألوا ربكم...). هذا الربط النبوي ينسف فكرة التعطيل التلقائي لعمل الشيطان . الأغلال موجودة ، لكن مفتاح قفلها بيد العبد . فالسؤال والدعاء هنا ليس مجرد كلمات ، بل هو إعلان عن حالة استنفار روحي تطلب الحماية الإلهية ، وبدون هذا (الطلب) يبقى العبد عرضة للتسليط الشيطاني حتى في أقدس الأوقات.
في ميزان التكامل
من الخطأ الاعتقاد أن الله يعطل نظام الاختبار في رمضان . الشيطان ليس (خللاً) في الوجود ، بل هو جزء من منظومة التمحيص.
والقاعدة تقول لا يوجد رقي بدون مقاومة ، ولا توجد جنة بدون اجتياز العقبات . لو حيد الله الشياطين تماماً ، لتحول الإنسان إلى ملك رغماً عنه ، ولضاع معنى (الاختبار) و(المجاهدة) . رمضان ليس (إيقافاً للاختبار) ، بل هو (تغيير لظروف الامتحان) لتكون الفرصة أكبر للنجاح لمن أراد .
الشياطين تُغل فقط عندما تلتقي (النية الصافية) بـ (العمل الصالح) .
إذا كان القلب طاهراً ومقبلاً ، تصبح هجمات الشيطان بلا أثر ، كمن يرمي السهام على جدار من حديد.
أما إذا كان القلب لاهياً، والنية ملوثة بالرياء أو الإصرار على المعصية ، فإن الشيطان يجد ثغراته ، بل وقد يضاعف نشاطه ليحرم العبد من فيوضات هذا الشهر.
كيف نفهم هذا المفهوم عملياً؟
الشيطان ميكروب روحي، والميكروب لا ينمو إلا في بيئة ملوثة . في شهر رمضان ، الله (يعقم) الأجواء بالصيام والقرآن ، فإذا حافظت على نظافة قلبك ، مات الشيطان (جوعاً) قبل أن يُغل بالأصفاد . حتى لو سُلّمت جدلاً بأن إبليس مغلول ، يبقى هناك - النفس الأمارة ورفقاء السوء . تصفيد الشياطين هو دعوة لك لتركز على عدوك الداخلي ، فإذا وجدت نفسك تعصي في رمضان ، فاعلم أن العلة ليست من وسواس خارجي ، بل من تراكمات داخلية تحتاج إلى تصفية.
الدعاء الذي أشار إليه النبي (ص) بشأن الشهر الفضيل هو نوع من (الدرع الطاقي) . الصائم الذي يسأل الله ألا يسلطها عليه ، هو شخص يدرك ضعفه البشري ، وهذا الانكسار بين يدي الله هو بحد ذاته أكبر مصفد للشياطين.
رمضان ليس شهراً لراحة الشياطين ، بل هو شهر لقمعها بسلاح إرادتك ودعائك . الأغلال موجودة ، لكن عليك أن تختار: هل ستكون ممن يُحاط بسور من الحماية الإلهية ، أم تترك أبواب قلبك مشرعة لمن لا يهدأ؟.
