![]() |
|
|
16
فبراير
2026
|
المالكي ومعركة القرار العراقي .. بين سيادة الوطن وضغوط الخارج !!!!! جعفر محيي الدين _ النجف
نشر منذ 9 ساعة - عدد المشاهدات : 32
|
في كل مرة يطرح فيها اسم نوري المالكي للواجهة، فيعود العراق إلى لحظة مفصلية من تاريخه الحديث فهذه اللحظة تختلط فيها الذاكرة بالأمن، والاقتصاد بالسياسة، والسيادة بحسابات الخارج ، ليس لأن الرجل مجرد مرشح لرئاسة حكومة، انما لأنه عنوان لمرحلة كاملة ما زالت آثارها حاضرة في الشارع العراقي ، وفي مؤسسات الدولة، وفي ذهن الإقليم والعالم. اما اليوم، وبين رغبات الإطار ورؤيتهم لإعادة ترتيب المشهد، وبين التحفظات و الاعتراضات الأمريكية، يتكرر السؤال المهم .. هل المسألة داخلية بحتة أم أن القرار العراقي ما زال محكوماً بسقف القبول الدولي؟
فالمؤيدون للمالكي لا ينطلقون من عاطفة مجردة، فهم يقرؤون مرحلة كانوا يرونها حاسمة في تثبيت الدولة بعد عام 2006. كما انهم يتحدثون عن سنوات فرض القانون، وعن مواجهة جماعات مسلحة كانت تتقاسم النفوذ في الشارع، وعن محاولة إعادة مركزية القرار الأمني بعد مرحلة الانفلات الطائفي الحاد آنذاك .
اما بالنسبة لهم، تلك السنوات رغم قسوتها فهي أعادت للدولة شيئاً من هيبتها، ورسخت فكرة أن السلاح يجب أن يكون بيد الدولة. ويضيفون أن شخصية المالكي تمثل نموذجا لرجل القرار الذي لا يتردد في المواجهة، وأن تمسك الإطار به لا يأتي من فراغ فهو ناتج من قناعة بأنه عنصر توازن داخل البيت السياسي الشيعي، وضمانة لعدم تشظي الموقف في لحظات حساسة. كما يشيرون إلى سنوات الوفرة النفطية، واتساع مشاريع البنى التحتية، وبناء مؤسسات أمنية وإدارية، معتبرين أن العراق كان يسير باتجاه استقرار نسبي قبل أن يتعقد المشهد بتراكمات لاحقة داخلية وخارجية لا يتحملها شخص واحد.
اما في المقابل، يقف الرافضون على ضفة أخرى تماماً. فيرون أن مركزية القرار تحولت مع الوقت إلى تفرد، وأن الشراكات الوطنية ضعفت، ما ساهم في تعميق الانقسام السياسي والمجتمعي. ولا يزال سقوط الموصل عام 2014 حاضراً بقوة في خطابهم، باعتباره دليلاً على هشاشة البنية الأمنية والسياسية آنذاك، ويعتبرون أن بعض السياسات سبقت ذلك الحدث ومهدت له بشكل أو بآخر. كما يتحدثون عن توترات مع المحيط الإقليمي والدولي، وعن استقطاب حاد دخل فيه العراق وأثر على علاقاته الخارجية، ولا تزال ظلاله قائمة حتى اليوم. بالنسبة لهم، عودة المالكي تعني إعادة فتح ملفات لم تنتهي في الوعي العام، وإعادة استحضار انقسام لم يندمل تماماً.
اما من خلال متابعتي الدقيقة للمشهد على امتداد سنوات، وما رافقه من تصريحات متضاربة وتقارير متلاحقة وانكشافات متأخرة، تبين لي أن الحقيقة ما كانت بهذه البساطة التي صورت لنا، وأن ما بدا واضحاً في حينه كان في الواقع جزءاً من صورة أكبر تعمد البعض إخفاء ملامحها..
فالصورة ما كانت أحادية كما حاول بعض الإعلام آنذاك أن يرسخها. فالعراق، عبر التصاريح العلنية والتقارير الدولية والاعترافات اللاحقة، شهد حجم التدخلات الخارجية والإمدادات العابرة للحدود التي غذت الفوضى وأشعلت الساحة، ثم جرى لاحقاً تبادل الاتهامات حول الجهة التي كانت السبب الحقيقي في الانهيار. فكانت لغة إعلامية صاخبة يومها سعت إلى تبسيط المشهد وتحميله لشخص واحد، حتى كادت تغلق باب النقاش أمام بقية العوامل. واليوم، وبعد انكشاف كثير من الوقائع، بات واضحاً أن ما جرى كان نتيجة تداخل قرارات داخلية مع ضغوط وصراعات إقليمية ودولية، لكن أثر تلك الرواية الأولى ما زال راسخاً في أذهان شريحة واسعة من الناس، وكأنها الحقيقة الوحيدة التي لا تقبل المراجعة. وهنا تكمن العقدة ..بين ذاكرة صنعت تحت ضغط اللحظة، وحقائق تكشفت بهدوء بعد العاصفة.
وعند هذه النقطة المهمة يتداخل الداخل بالخارج بشكل لا يمكن إنكاره. فالتحفظ الأمريكي على المالكي (إن وجد ) لا يقرأ بمعزل عن رؤية أوسع للمنطقة. كما ان واشنطن تنظر إلى العراق باعتباره عقدة جيوسياسية حساسة، في معادلات الشرق الأوسط، وأي اسم يطرح لرئاسة الحكومة يوزن بميزان التوازنات الإقليمية قبل أي اعتبار آخر. فمن هنا تبدو المعايير أحياناً متبدلة ، ولكن المواقف لا تقوم على الذاكرة وحدها، فهي ترتكز على حسابات المصالح الآنية.
وهنا تفرض الحقيقة نفسها دون استئذان، فالعراق كان ولا يزال بوابة المشروع الأمريكي في الشرق الاوسط . موقعه، نفطه، وحدوده المفتوحة على بؤر الصراع، جعلت منه نقطة ارتكاز مثال على موقعه الجغرافي، وثروته النفطية وحدوده المفتوحة على محاور التوتر، وتركيبته السياسية المعقدة ،كلها جعلت منه نقطة ارتكاز لأي نفوذ دولي يريد أن يتمدد أو يثبت أقدامه في المنطقة. ولذلك فإن اسم رئيس الوزراء في بغداد لا ينظر إليه باعتباره فقط كخيار عراقي داخلي، فهو اشارة سياسية ضمن لوحة إقليمية أكبر.
وملاحظة صريحة تلامس الواقع.. فمن يعتقد أن قرار بغداد يحسم بعيداً عن خرائط النفوذ الدولي لا يحيط بالصورة كاملة، فالعراق ليس تفصيل هامش في مشروع الشرق الأوسط، فهو أحد مفاصله الأساسية، ولهذا فإن الجدل حول المالكي أو أي شخصية بحجمه السياسي يتجاوز إطار الأشخاص إلى سؤال أعمق يتعلق بطبيعة القرار العراقي نفسه. المسألة ليست في شخص بعينه، انما في قدرة الدولة على أن تمارس إرادتها كاملة، بعيداً عن تأثيرات الخارج وضغوط التوازنات الإقليمية.
