إمتزجت في لهاثه ريح الصحراء وشعاع القمر، وهو يجري سامعاً نباح كلاب بعيدة وعواء ذئاب قصية.. الرمل يسفي ملء عينيه اللتين لم يغمضهما، إنما ترك قسوة الملوحة تدمعهما فيهدأ حريق البؤبؤ ولهب الأجفان، وجيب القلب يفور و... منخراه يكتظان بالتراب، فحاول التنفس من فمه مضطراً لإبتلاع أشنات عصفتها الريح الى جوفه...
أنفلت من دلوك الليل الى شفق الفجر، وقد تمزق أديم جلده ونتأت طبقة متقرٍية تحت أخمصي قدميه الحافيتين، بالغاً الشارع العام، الذي ينساب صامتاً، مثل نهر أخرس على حافة بحر من صمت.. إستوقف شاحنة حمل ضخمة، وبعد تبادل التحيات المألوفة، أحجم السائق عن سؤاله:
- إيش جابك في هذه المنكطعة؟
لكن السائق لم يسأله، كما تمنى، وتحققت أمنيته، مثلما أفلح بمعجزة الهروب من السجن، في ظروف غامضة.
لا يتذكر سوى سجان فظ غليظ، ألقاه في الزنزانة.. حشره بين مجرمين عتاة أساؤوا معاملته قبل أن تصل قدماه الأرض.. يهوي في الفراغ... يضربه رفاق السجن الأقوياء، ويستعين الضعفاء بالأقوياء على ضربه، طوال ثلاثة أعوام فلم يتردد عن إنتهاز فرصة الهرب.
"إذا فشلت؛ سيعيدونني الى زنزانة إنفرادية، أرحم لي من الضرب المستمر من دون سبب وإفتعال أسباب لملامتي، تنتهي بالضرب من طرف واحد.. هم وحدهم يضربونني وأنا أشكف، فلأهرب..." ونجح هروبه بعد لأي تمزق خلاله أديم جلده من هامة الرأس الى أخمص القدمين، ونباح الكلاب وعواء الذئاب يقترب منه رويداً، حتى أشفق السائق على حاله منعطفاً بسير الشاحنة كما لو يعود الى السجن، لكن على طريق سوي.. مبلط هذه المرة، وقد إرتفعت شمس الصباح قامتين في بحر الزمان:
- خل نرتاح.. نفطر وأشربك شاي وأشتري لك ثياباً جديدة، بدل ثيابك البالية هذه التي تذكرني ببدلات سجون العصور الأوربية الوسطى وقلاع العثمانيين في الأفلام الأجنبية.
صمت مطبق، كأن على رأسه طيور نحس تنبعث كالدخان من ثلاث سنوات قضاها في السجن، ترفرف بغيظ محلقة نحو سنتين متبقيتين من حكم يقيده الى جريمة شاء أن ينساها، فكان له ما أراد ولم يعد يتذكرها.. إمحت كأن ماءً آسناً ذا رائحة عفنة سكب في غربيل ذاكرته وغاض بين مسامات سبخ أرضية السجن ورمل الصحراء المحيطة... بحر من النسيان يغرقه.
لاحت له بوابة السجن تتلألأ حولها مصابيح ملونة تعانق إشراقة الصباح بتفاؤل طمأنه.. حول البوابة مقاهٍ شرعت بفتح الأبواب و... مطاعم وصالونات وباعة حاجات معمرة وأخرى إستهلاكية.. قيمر وأفران صمون حار و... عصائر لذيذة المرأى ومكتبة تعرض جرائد اليوم على خيوط حادة ورقيقة، و... لم يكمل تأمل واجهة المدينة، عندما نفذت الشاحنة من بوابة السجن، ليجلسا في مطعم زاهي النسيم صيفاً، إحتسيا شوربة عدس فائقة اللذة وإرتشفا إستكانين من الشاي وأخذه السائق الى متجر ثياب رجالية، مقيفاً له ثياباً يتقرب بها الى الله "دفعة بله عن أبنائي".
فضائية تعرض أغنية أجنبية ترافقها ترجمة أسفل الشاشة "حبنا أثير من مزيج الضوء والريح" تؤديها مطربة فاتنة شبه عارية "الريح تنسل عرف حصانك وأنت تخطف قلبي".
شاب يعزف كيتار الصباح، ناثراً كركم مع الأنغام التي يبيعها، وكان يقصد نثر الأنغام مع الكركم وعطاريات الطبخ التي يتاجرها لربات البيوت من دون تحرش.
بنت حلوة ما زالت آثار الزواج ليلة أمس تلوح شهوة تنضح من ثيابها الشبقة، تحمل طبقة بيض وتعلق كيس صمون يتدلى من معصمها وتدفع قنينة غاز بقدمها، وقد لاحت له ساقها أنظف من روحه النابضة خوفاً... ملساء صقيلة البياض (ساق البنت وليست روحه).
الآنسات.. غير المتزوجات اللواتي يكتفين.. حالياً.. بالغزل والقبل المخطوفة من الخد بسبب عجز إبن الجيران عن بلوغ الشفتين عبر السياج الفاصل... يعقفن الشعر بقراصات من ذهب، والمتزوجات ماس!
الخائنات يتشظى الماس قطع زجاج.. وصلة ما تلايم وصلة، وتنبعث منه عفونة كريهة، تزكم أنفاس الحب بزناختها الزانية...
... «الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ... وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ» 2 النور.
صاح صوت مطرب ريفي مرهف الإيقاع "ذبي العبايه.. سوي عليَّه إحسان.. ذبي العباية.. بالحسن آيه.. ذبي العباية".
همس للسائق:
- هذه المدينة كانت سجناً أمس.
- أعوذ بالله.. فال الله ولا فالك، بيش تطلب الناس!
- ...
- صدك إنتَ شنو قصتك؟
- ...
- منين جاي؟ ووين رايح؟
- ...............................................................................................................................................................................................
- ما جاوبتني
- تخيل نفسك في الطابق الثالث من عمارة ذات خمسة طوابق، وشب حريق من فوق ومن تحت ومن الجهات الأربع.. كيف تهرب؟ تخيل
!
- أوقف مخيلتي؛ فأنجو.




التعليقات