في ليالي التعب التي أرهقتنا كثيرا تجعلنا نأوي الى فراشنا مع الأنين المصحوب بالألم وعيوننا تبقى مفتوحة تعاقر السهر ويعود لنا التأمل لمجريات حياتنا ونستذكر تلك الأيام الحزينة دائما والمفرحة لأيام معدودة وكذلك حكايات الندماء حيث كنا نجتمع تحتضننا نحن وعوائلنا الأندية الإجتماعية التي كانت منتشرة في مدينتنا وتكاد تكون في كل محلة منها .

هذه الذكريات تتجمع أمام عيوننا عند إطفاء مصباح الغرفة لنستعد للنوم لكن النعاس لا يجرؤ على المرور عليها وأنا أقرأ ما حفظت من آيات قرآنية وكذلك الأدعية لكن النوم لا يأتي بسهولة لتزاحم الأفكار المختلفة وحتى لو جاءتني إغفاءة قصيرة أشعر بحالة لا أعرف سببها وأستيقظ بسرعة كما المرعوب ،وكل ما أفعله أعود الى التصفح بالنقال أتسامر مع بعض الصور والمنشورات والأخبار التي ما عادت تؤنس النفس بل تثير فيها الحزن والخوف. 

ذكريات عديدة تمر على الخاطر بعضها عن وفاء الأصدقاء أو جفائهم ونزق بعضهم صديقات أيضا مررت في واحات العمل كان لهن حضورهن المميز .

خلال فترات العمل هنا وهناك في مختلف المدنربما أرى إنفتاحا أوسع لكن الجميع تشغلهم مهمات عملهم ولا يلتفتون للعلاقات أو الصداقات ويعتبرونها ترف خاص على العكس منا نحن أبناء البصرة فتركيز العلاقة عندنا أمر مهم نعطيه جل إهتمامنا وهذا ما تعلمناه من آبائنا.

لقد بانت بشائر الفجر وما زال التفكير يرافقني حتى الصباح.

فلم يكن للنوم وقت بهذا الجو المشحون بالألم .

* وحكاية مؤلمة أخرى* 

 مع سكون الليل وربما تسكن الجراح و(تهوّد) قليلا لكني أسألكم هل ينتهي أنين المكلوم ؟. كلا. والدليل إني سمعت ذات ليلة وأنا عائد الى بيتي في وقت متاخر من الليل إمرأة تطلق أنينا ينفطر له القلب في وقت نامت كل العيون وهدأت النفوس فأنينها كان مسموع يصل الى البيوت المجاورة رغم المطر كان يصدر أيضا أصواتا خشخشة لأن بيتها مبنيا من القصب (صرايف) فتوقفت بل تسمرت أرجلي فأقتربت من الجدار فسمعت أنينها يرافقه البكاءالحزين وهي تنشد وتقول :

"جرحك تشده يطيب

بس ونّي شو زاد

بويه الگلب ملجوم

 شيفيده الضماد

كل الاحزان إتروح

بس حزني طوّل

يادنيه ظيمي اليوم

زاد إعله الاول". 

كان الصوت يأتي مصحوبا بنشيج الألم خصوصا وإن وحشة الليل تزيده شجنا وأسى ، لم أستطع مواصلة السير حتى إن أرجلي ما عادت تحملني والمطر أغرقني وإبتلت ملابسي ،فأخذتني الحيرة هل أبقى أرابط جانب البيت في هذا الليل الماطر البارد الحزين أشاركها البكاء والأنين أم أذهب الى بيتي وأتركها تأن وحيدة فقد كنت أشعر إنني أشاركها الأسى رغم كونها لا تعلم بوجودي لكني أشاركها وجدانيا فكانت دموعي تنهر ويغسلها المطر. 

فكرت بأن وقوفي قرب الدار سيجلب لي شبهة أنا في غنى عنها خصوصا عندما يمر أحد الجيران أو المارة فإنسحبت باتجاه البيت بأرجل متثاقلة وقلب حزين.

 بعد عدة أيام كنت أسير نهارا بالطريق ذاته رأيت إمرأة تخرج من الدار ذاته شكلها يوحي بالحزن ترتدي ملابس سود وتغطي عيونها بنظارة سوداء متوجهة للشارع العام حتى وصلنا بالوقت نفسه ننتظر سيارة الأجرة فصعدنا سوية الى الباص حاولت أن أسألها لكني ترددت كثيرا غير إن عيناي كانت تتفرس في وجهها وعينيها التي ذبلهما الحزن والسهر حتى أنها أشاحت بوجهها عني أكثر من مره وعندما وصلنا للسوق ابتعدت عني ولم أرها بعد ذلك.

لكن الحالة بقت تؤلمني وتثقل مشاعري!. فما سبب البكاء ولماذا هذا والأنين الليلي الذي يسمعه المارة هل هي قد فقدت عزيزا زوجا، إبنا أو هجرهاحبيب لا أعرف، فسر الأنين بقي غامضا رغم كونه يدمي قلبها ويشعل عندها نار الألم. 

إذن لسكون الليل حكايات مؤلمة وحزن دفين حقا.