لم تكن رحلة عودتي من بغداد إلى بلد الاغتراب مجرد رحلة جوية، بل بدت لي، منذ الوهلة الأولى، وكأنها رحلة أخرى لها قوانينها الخاصة، تبدأ من السيارة ولا تنتهي عند الطائرة. عند وصولنا إلى المطار بالسيارة، طلب منا أن نترجل جميعا.
لم يكن الأمر غريبا، فالمطارات في العالم لا تعرف المزاح مع مسألة الأمن.
وقفنا إلى جانب سياراتنا، فيما بقيت أبواب السيارات مشرعة، ومرّ كلب التفتيش بمحاذاتها،يؤدي مهمته بهدوء وثقة، وكأنه يعرف أكثر منا إلى أين نحن ذاهبون.
انتهى التفتيش٬ ركبنا السيارة من جديد، وتحركنا بضعة أمتار ، ثم جاء الأمر الثاني «أنزلوا الحقائب» حسنا…! بدأنا نحمل أمتعتنا، مهما كان وزنها، ونسير بها إلى غرفة التفتيش بجهاز المسح (السكانر). وبعد أن مرت الحقائب عبر الجهاز، حملناها وسرنا بها نحو ثلاثين مترا حتى عدنا إلى السيارة.
ركبنا من جديد. .. تحركت السيارة بضعة دقائق. وصلنا إلى بوابة المطار.
وهنا، للمرة الثانية، كان علينا أن ننزل الحقائب من السيارة.
قلت في نفسي: يبدو أن الحقائب أيضا يجب أن تحصل على جولة سياحية داخل المطار قبل أن تصعد إلى الطائرة.
وضعناها في طابور، ووقفنا نحن للتفتيش.
ثم ظهر كلب آخر. هذه المرة كان برفقة وكيل شرطة بدأ مهذبا جدا، يؤدي عمله بكل هدوء. مرّ الكلب بجانب الحقائب، ثم أعطانا صاحبه الإشارة التي تعني، على ما يبدو «يمكنكم المغادرة».. وصلنا إلى مدخل صالة المسافرين، وقلت في قرارة نفسي: هذه إذن هي بوابة المهاجرين، وانتهت الرحلة البرية داخل المطار.
لكنني كنت متفائلا أكثر من اللازم.
فما إن بلغنا البوابة حتى ظهر أمامنا جهاز تفتيش آخر للحقائب.
مرة ثالثة….!
أنزلنا الحقائب من عربة الحقائب.
لكن إلى أين؟ كنت قد بدأت أشعر أنني في لعبة ألغاز، وأن كل بوابة تقود إلى بوابة أخرى.
بدأت أراقب الرجل الذي كان معي في الرحلة معه خمس حقائب. تارةً يعد الشنط وتارة اخرى يعد اطفاله اما زوجته فكانت ترافقه كظله.
بدا على وجهه سؤال لا يحتاج إلى ترجمة: "كم مرة سننزل هذه الحقائب؟
تفتيش جديد!"
نظرت إلى الحقائب، ثم إلى الجهاز، ثم تفحصت جيدا في صاحب الحقائب الخمس والأطفال الثلاثة والسيدة.
قلت في نفسي: ربما هناك خطأ ما.
كان علينا أن ننزل الحقائب للمرة الرابعة!
وكأننا في دورة تدريبية متقدمة في كيفية حمل الحقائب وإنزالها.
أربع مرات!
والرحلة لم تبدأ بعد!
أنا أفهم تماما أن الأمن في المطارات ليس أمرا يمكن الاستهانة به بل هو أولوية، ومن حق كل مسافر أن يشعر أن الرحلة آمنة وأن الإجراءات الأمنية جادة ودقيقة.
لكن الأمن لا يعني بالضرورة أن يتحول المسافر إلى عامل تحميل وتفريغ ولا يعني أن تقطع الحقيبة مسافة أطول من المسافر نفسه.
أما الكلاب، فقد أصبحت شخصيات أساسية في هذه الرحلة. كلب عند السيارات.
وكلب عند الحقائب.
وربما لو بقيت قليلا، لظهر كلب ثالث عند بوابة الطائرة ليقول لي:
«تفضل، يمكنك الآن الصعود... بعد أن تفتح حقيبتك للمرة الخامسة».
اعتليت الطائرة وأنا أفكر في شيء واحد:
نحن العراقيون المهاجرون الذين اعتدنا على المطارات في بلدان مختلفة، نعرف أن التفتيش ضرورة، وأن الأمن مسؤولية كبيرة، لكننا نعرف أيضا أن تنظيم الإجراءات يمكن أن يجعل المسافر يشعر بالأمان من دون أن يشعر بأنه في رحلة شاقة بين أجهزة التفتيش.
قد يكون من السهل أن نقول: المهم هو الأمن. وهذا صحيح لكن الأهم أيضا أن نسأل:هل يمكن أن نحافظ على الأمن، ونحافظ معه على راحة المسافر وكرامته ووقته؟ ربما يكون الحل بسيطا جدا.
أن يمر الكلب مرة واحدة، ويكفي. وأن تمر الحقيبة من جهاز واحد، وأن يبقى المسافر مسافرا...لا موظفا متطوعا في قسم تفريغ الحقائب. أما أنا، فما زلت حتى الآن لا أعرف إن كان الرجل ذو الخمس حقائب وثلاثة أطفال وسيدة٬ سيكرر السفر أم لا٬ لكنني متأكد من شيء واحد فقط : كلب المطار كان أكثر راحة مني ،كان يمشي بهدوء...وأنا كنت أحمل الحقائب./انتهى




التعليقات