كتابة رحيم الحلي
في سجل الأغنية العراقية، ثمة أسماء لا تُختصر في ألحانٍ عابرة، بل تتحول إلى ذاكرة كاملة تختزن الزمن وتحكيه، ومن بين هذه القامات يبرز اسم الملحن طارق الشبلي بوصفه واحداً من أبرز صناع اللحن العراقي الحديث، وأحد الذين منحوا الأغنية روحها الشعبية العميقة، وصاغوا وجدانها بإحساسٍ صادق لا يُصطنع.
وُلد طارق الشبلي، واسمه الحقيقي طارق شبلي فنجان السعد، في مدينة البصرة عام 1939، تلك المدينة التي تتنفس الموسيقى كما تتنفس الماء، فكانت البيئة الأولى التي احتضنت موهبته، وفتحت له أبواب النغم مبكراً.
منذ أواسط الخمسينات، وتحديداً عام 1956، بدأت ملامح تجربته تتشكل من خلال شغفه بالغناء واستماعه لكبار المطربين العرب، وهو ما دفعه إلى التوجه نحو الموسيقى بوعي مبكر، حيث تكفّل شقيقه الأكبر بإحضار مدرس موسيقى له، ليبدأ رحلة التعلّم الأكاديمي التي سرعان ما تحولت إلى إبداع حقيقي، فأتقن العزف على العود والكمان خلال فترة قصيرة، وتمكّن من فهم أسرار المقامات والأوزان، وهو ما شكّل قاعدة صلبة لانطلاقته اللاحقة.
عمل الشبلي عازفاً على آلة الكمان ضمن الفرق الموسيقية في البصرة، ومنها فرقة تلفزيون البصرة، قبل أن ينتمي إلى فرقة الموانئ عام 1971 إلى جانب الفنانين مجيد العلي وطارق شعبان، وهي مرحلة مهمة أسهمت في ترسيخ حضوره داخل الوسط الفني. وكانت انطلاقته الحقيقية نحو الشهرة من خلال أول ألحانه المعروفة، أغنية “الصفصاف” التي غناها سعدون جابر، لتفتح له أبواباً واسعة نحو عالم التلحين، حيث توالت أعماله التي حملت نكهة بصرية خاصة، تجمع بين الإيقاع الشعبي والروح المدنية. لم يكن طارق الشبلي ملحناً تقليدياً، بل كان يمتلك ذوقاً انتقائياً في اختيار النصوص، وقدرة على تحويل الكلمة إلى مشهد درامي حي،.
وأشار الناقد علوان السلمان، الذي رأى فيه فناناً يشتبك مع الواقع عبر اللحن، ويخلق علاقة تفاعلية بين النص والمجتمع، خصوصاً في أعماله الأوبريتية التي بلغت ذروتها في أوبريت “المعيبر شنان” من كلمات الشاعر علي العضب. أما الناقد كاظم السيد علي فقد وصفه بأنه رسام بارع، ألوانه الكلمات المؤثرة، وأنامله تصوغها بإحساس مرهف لتتحول إلى لوحات غنائية خالدة في ذاكرة الناس.
خلال مسيرته الطويلة، التي امتدت لعقود، لحّن الشبلي لأبرز نجوم الأغنية العراقية، من بينهم فؤاد سالم، رياض أحمد، سعدون جابر، سيتا هاكوبيان، قحطان العطار، صلاح عبد الغفور، رضا الخياط، محمد الشامي، قصي البصري، صباح السهل، أنوار عبد الوهاب، فاضل عواد، علي العيساوي، عارف محسن، وغيرهم، كما تعامل مع فنانين عرب مثل عبد الله رويشد وراشد الماجد، وهو ما يعكس اتساع تجربته وتأثيره خارج الحدود العراقية.
ومن أبرز أعماله التي لا تزال راسخة في الذاكرة: “يفر بيه هوى المحبوب” بصوت محمد الشامي، “لو تحب لو ما تحب” و“گلي شنو الصار” لمحمود أنور، “أكول الله على العايل” و“واجب بالروح أشريك” و“مستاحش” لرياض أحمد، “لا تلوموني” لصلاح عبد الغفور، “الصفصاف” و“لعيونك أنت يا حلو” لسعدون جابر، “إبهيده هيده” و“لالي يا قمر لالي” و“لاموني لاموني” و“شوقي خذاني” لسيتا هاكوبيان، “يمر ليلك حبيبي” لفاضل عواد، “ما تدرين” و“أول هوى” و“تقول بنت عشيري” لفؤاد سالم، “حركي الرسايل” و“يا نار” و“الليلة حنّه وباجر يزفونه” لعلي العيساوي، إلى جانب مجموعة كبيرة من الأغاني التي غناها حميد منصور مثل “مكاني وين” و“الله ولحد يا هلي” و“حشى للهوى” و“حسبي الله عليهم” و“سامع الصوى”، فضلاً عن أعماله الأوبريتية والسياسية مثل “أمكبعة” و“المعيبر شنان”.
ولم يكن الشبلي مجرد ملحن غزير الإنتاج، بل كان صاحب مشروع فني واضح، استطاع من خلاله أن يمزج بين البساطة والعمق، وأن يجعل اللحن قريباً من الناس دون أن يفقد قيمته الفنية. وقد شغل خلال حياته عدداً من المواقع المهمة، منها نقيب الفنانين في البصرة، ومدير بيت المقام العراقي، ورئيس اتحاد الموسيقيين في البصرة، وهي مواقع تعكس مكانته ودوره في الحياة الثقافية.
وعلى الرغم من هذا العطاء الكبير، لم يسلم طارق الشبلي من الإهمال، بل عاش سنواته الأخيرة في عزلة نسبية، وهو ما عبّر عنه زملاؤه بحزن كبير بعد رحيله، حيث قال عنه رياض المحمداوي إنه “فنان الحب في زمن الحرب” الذي لم يُنصف، فيما وصفه قحطان العطار بأنه عاش حياته بلا أمان، وكان شعاره الحب، أما الموسيقار فاروق هلال فقال إن “ركن الحب في الأغنية العراقية قد مات برحيله”، واعتبره سرور ماجد “نخلة بصرية سقطت”، بينما رثاه مجيد العلي بكلمات موجعة قائلاً إن عذوبة الألحان رحلت معه.
وحتى على المستوى الرسمي، نعاه الرئيس جلال الطالباني برسالة مؤثرة أشاد فيها بمسيرته التي عكست روح العراق وآمال شعبه.
لقد لحّن طارق الشبلي أكثر من خمسمئة أغنية، بحسب شهادة الدكتور ناصر هاشم، وهو رقم لا يعكس فقط غزارة الإنتاج، بل عمق التأثير أيضاً.
وفي 17 آذار عام 2014، رحل هذا الفنان الكبير، تاركاً خلفه إرثاً موسيقياً غنياً، سيبقى شاهداً على مرحلة مهمة من تاريخ الأغنية العراقية. طارق الشبلي لم يكن مجرد ملحن، بل كان وجهاً من وجوه البصرة، وصوتاً من أصوات العراق، ونغمةً لا تزال تتردد في ذاكرة كل من أحب الأغنية الصادقة.




التعليقات