كتابة: رحيم الحلي
حين نتحدث عن الأغنية العراقية في سبعينيات القرن الماضي، لا يمكن أن نمرّ سريعاً على اسم الشاعر زامل سعيد فتاح. فهذا الشاعر لم يكن مجرد كاتب كلمات غنائية، بل كان واحداً من الأصوات الشعرية التي منحت الأغنية العراقية نكهتها الوجدانية الخاصة، وقرّبتها من القلب العراقي بلغتها الشعبية الرقيقة وصورها العاطفية الصادقة.
ولد زامل سعيد فتاح عام 1941 في مدينة الشطرة بمحافظة ذي قار، تلك المدينة الجنوبية التي أنجبت عدداً من الشعراء والفنانين والمثقفين، ومنحته بيئتها الريفية الأولى حساً شفيفاً، مشبعاً بالحنين والحزن والانتظار. أكمل دراسته الأولى هناك، ثم تخرج من دار المعلمين، وعمل في سلك التعليم، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى بغداد، حيث اتسعت علاقاته بالوسط الفني، والتقى عدداً من كبار الملحنين والمطربين.
كان زامل يمتلك صوتاً جميلاً، وكان في بداياته قريباً من الغناء، غير أن صديقه الملحن الكبير طالب القرة غولي نصحه بأن يركز على كتابة الشعر، لأنه كان يرى فيه شاعراً ذا خصوصية لا تتكرر. وقد أثبتت الأيام صحة تلك النصيحة، فقد صار زامل واحداً من أهم شعراء الأغنية العراقية، وترك نصوصاً ما زالت حية في ذاكرة الناس.
دخل زامل سعيد فتاح عالم الشهرة من الباب الواسع عبر قصيدة «المگير» التي لحنها كمال السيد وغناها ياس خضر. ولم تكن هذه الأغنية عملاً عاطفياً عادياً، بل كانت لحظة فنية فارقة في مسيرة الأغنية العراقية. ففيها نسمع صوت الجنوب، وصورة المحطة، والقطار، والفراق، والإنسان الذي يقف عاجزاً أمام رحيل من يحب.
لقد استطاع زامل في «المگير» أن يحول لحظة وداع بسيطة إلى مشهد شعري كامل. الحبيب يرحل، والقطار يمضي، والشاعر يبقى في مكانه محملاً بالخذلان والوجع. هذه القدرة على تحويل التفاصيل اليومية إلى صورة شعرية مؤثرة هي واحدة من أبرز علامات زامل سعيد فتاح.
ومن المهم الإشارة إلى أن «المگير» لا تعني فقط الطريق المعبد بالقير كما قد يتصور البعض، بل ارتبطت في ذاكرة القصيدة بالمكان الجنوبي، وبأجواء الناصرية، وبالطريق المؤدي إلى زقورة أور ومحطة القطار، ولذلك بدت الأغنية كأنها تجمع بين العشق الفردي والذاكرة السومرية العميقة للأرض.
لم تكن لغة زامل معقدة أو متعالية، بل كانت قريبة من الناس، لكنها ليست لغة عابرة. كان يعرف كيف يختار المفردة الشعبية ويمنحها حياة شعرية جديدة. لذلك بدت أغانيه بسيطة في الظاهر، عميقة في الداخل. فهي تصل إلى السامع بسهولة، لكنها تترك في روحه أثراً طويلاً.
ومن أشهر أعماله أغنية «فرد عود» التي غناها حسين نعمة، وهي واحدة من الأغاني التي عبرت عن حساسية زامل في تصوير الحب والفقد. كما كتب «جذاب» التي غنتها مائدة نزهت وياس خضر وطالب القرة غولي، وكتب «شكوى» لرضا الخياط، و«بالليل» و«أعزاز» لياس خضر، و«يا غريب الدار» لقحطان العطار، و«هذا آنه وهذاك انت» لطالب القرة غولي، و«عد وآنه أعد ونشوف» لأنوار عبد الوهاب.
هذه الأغاني لا تجمعها شهرة الأسماء التي أدتها فقط، بل يجمعها خيط شعري واحد: الحزن النبيل. فزامل لم يكن يكتب حزناً مظلماً، بل حزناً شفافاً، فيه كرامة العاشق، وحياء الريفي، وصدق الإنسان الجنوبي الذي لا يبالغ في الشكوى، لكنه حين يتكلم يوجع القلب.
في شعره الغنائي نجد الريف والمدينة معاً. فهو ابن البيئة الجنوبية، لكنه عاش تحولات بغداد الفنية في السبعينيات. لذلك جاءت مفرداته مزيجاً من الطين والمطر والقطار والشارع والليل والانتظار. وقد منح هذا المزيج أغنيته نكهة خاصة جعلتها قريبة من المستمع في الريف والمدينة على حد سواء.
كانت سبعينيات العراق مرحلة ذهبية للأغنية العراقية، حيث التقى الشعراء الكبار بالملحنين المجددين والأصوات المؤثرة. وفي ذلك المناخ ظهر زامل سعيد فتاح بوصفه شاعراً يعرف كيف يكتب للحن دون أن يفرط بشعرية النص. كانت كلماته قابلة للغناء، لكنها لا تفقد قيمتها عند قراءتها كنص شعري مستقل.
ومن أسرار نجاحه أنه لم يكتب للمطرب فقط، بل كتب للناس. كان ينصت إلى نبضهم، إلى خيباتهم، إلى حبهم الصامت، إلى رسائلهم التي لا تصل، وإلى قطاراتهم التي تأخذ الأحبة ولا تعيدهم. لذلك بقيت أغانيه بعد رحيله، لأنها لم تكن مرتبطة بزمن عابر، بل بمشاعر إنسانية لا تشيخ.
رحل زامل سعيد فتاح عام 1983 إثر حادث سيارة، وهو ما يزال في قمة عطائه الفني. كان رحيله مبكراً وموجعاً، لأن الأغنية العراقية فقدت شاعراً كان قادراً على أن يمنحها الكثير. لكنه، رغم عمره القصير، ترك أثراً لا تمحوه السنوات.
إن أهمية زامل سعيد فتاح لا تكمن فقط في عدد الأغاني التي كتبها، بل في نوعية الأثر الذي تركه. لقد ساهم في صياغة المزاج الوجداني للأغنية العراقية الحديثة، وقدم نموذجاً للشاعر الشعبي المثقف، الذي يعرف كيف يحافظ على نكهة اللهجة العراقية، وفي الوقت نفسه يرتقي بها إلى مستوى الصورة الفنية الرفيعة.
كان زامل سعيد فتاح شاعراً من طينة نادرة. لا يرفع صوته كثيراً، لكنه يصل بعيداً. لا يزخرف النص بلا حاجة، لكنه يضع المفردة في مكانها فتضيء. ولهذا ظل حاضراً في الذاكرة، لا بوصفه اسماً من الماضي، بل بوصفه صوتاً شعرياً ما زال يمشي معنا كلما سمعنا «المگير» أو «فرد عود» أو «جذاب».
رحم الله زامل سعيد فتاح، شاعر الحنين والفراق، وصاحب الكلمات التي خرجت من القلب فبقيت في قلوب العراقيين./ انتهى
التعليق عبر فيسبوك