لـيس من السهل أن يخرج المسرح من فضائه التقليدي وأن يعبر من قاعات العرض ومسارحه المغلقة إلى فضاء ديني مفتوح تتجاور فيه العبادة والثقافة والوعي ..
الأمرُ ليس سهلاً ..
لـكن مسجد البصرة ومكتبته استطاع أن يقدم نموذجاً لافتاً في هذا الاتجاه من خلال احتضان عرضين مسرحيين متميزين داخل حرم المسجد شهدا إقبالاً جماهيرياً واسعاً وترحيباً واضحاً ولا سيما من ذوي الاختصاص والمهتمين بالشأن المسرحي والثقافي ..
هـذه التجربة الجديدة الجريئة تكتسب أهميتها من كونها لا تتعامل مع المسرح بوصفه فناً منعزلاً عن المجتمع وإنما باعتباره فعلاً ثقافياً ورسالة إنسانية وتوعوية يمكن أن تجد مكانها في مختلف البيئات التي تحتضن الإنسان وتخاطب وعيه.
مـا يُـحسب لمسجد البصرة ومكتبته ولمتوليه سماحة الشيخ الحجة علي العلي الشحماني "دامت توفيقاته" هو هذه الجرأة الواعية في إخراج المسرح من
«صومعته الخاصة»
إلى مساحته الطبيعية بين الناس ليكون كما ينبغي أن يكون:
• نافذة للوعي.
• ومنبراً للجمال.
• ووسيلة لطرح الأسئلة ومناقشة قضايا الإنسان والمجتمع.
إن المسرح حين يدخل حرم المسجد لا يعني بالضرورة أن الدين قد دخل إلى المسرح وإنما يعني أن كليهما التقيا عند الإنسان ذلك الإنسان الذي يحتاج إلى العبادة كما يحتاج إلى المعرفة وإلى الروح كما يحتاج إلى الجمال وإلى الموعظة كما يحتاج إلى السؤال والتأمل ..
ولـنا أن نثمن هذه الخطوة المهمة التي خطاها العلم الحجة العلي الشحماني "دامت توفيقاته" لعدة أسباب:
أولاً: الإيـمان برسالة المسرح ودوره التوعوي ..
احتضان المسرح داخل فضاء المسجد يعكس فهماً حقيقياً لوظيفته الاجتماعية والثقافية فالمسرح ليس مجرد فرجة أو تسلية وإنما يمكن أن يكون:
• أداة لصناعة الوعي.
• وطرح القيم.
• ومناقشة الظواهر الاجتماعية.
• وتحريك الأسئلة التي قد تعجز الخطابات المباشرة عن تحريكها.
ثانياً: تـعريف جمهور جديد بأهمية المسرح في الحياة العامة ..
حين يصل المسرح إلى جمهور لم يكن يرتاده في قاعاته التقليدية فإن ذلك يمثل مكسباً للفن وللمجتمع معاً ..
المسرح لا ينبغي أن يبقى نخبوياً محصوراً بين المسرحيين والأكاديميين عليه:
• أن يذهب إلى الناس.
• وأن يبحث عن جمهوره.
• وأن يفتح نوافذه في كل مكان يمكن أن يحتضن خطاباً هادفاً ومسؤولاً.
ثالثاً: الاهتمام بالمسرحيين الذين يحملون رسائل هادفة ..
إن المسرحي الجاد يحتاج إلى بيئة تقدّر جهده وتمنحه مساحة للتعبير ..
وعندما تفتح مؤسسة دينية أبوابها أمام المسرحيين الذين يحملون خطاباً إنسانياً وتوعوياً فإنها تؤكد أن الثقافة والفن يمكن أن يكونا شريكين في بناء الإنسان لا خصمين للدين أو للمؤسسة الدينية.
رابعاً: رفـع الالتباس عن العلاقة بين الفن والدين ..
لا يـزال هناك من يتعامل مع الفن والمسرح تحديداً وكأنه يقع خارج دائرة الاهتمام الديني وهذه رؤية تحتاج إلى مراجعة ..
الـمشكلة ليست في الفن من حيث هو فن وإنما في الرسالة التي يحملها والغاية التي يتجه إليها ..
الفن الذي:
• يسمو بالإنسان ..
• ويهذب الذائقة ..
• ويوقظ الضمير ..
• ويدافع عن الحق والجمال والقيم ..
لا يمكن اختزاله بوصفه نقيضاً للدين.
مـن هنا فإن تجربة العرض المسرحي في حرم مسجد البصرة ومكتبته ليست مجرد فعالية ثقافية عابرة إذ يمكن النظر إليها بوصفها تجربة تستحق:
١- التأمل ..
٢- التطوير ..
٣- التراكم ..
وربما تكون بداية لمسار أوسع تتفاعل فيه المساجد والمكتبات والمراكز الثقافية مع المسرح والفنون الهادفة ضمن رؤية واعية تضع الإنسان في مركز اهتمامها.
إن المسجد في جوهر رسالته ليس جدراناً للصلاة فحسب وإنما فضاء لصناعة الإنسان وتهذيب الوعي وبناء المجتمع ..
وإذا كان المسرح يستطيع أن يكون إحدى نوافذ الوعي فما المانع أن تُـفتح هذه النافذة من بين أسوار بيت الله؟
لـقد أثبت مسجد البصرة ومكتبته بهذه التجربة أن العلاقة بين الدين والثقافة والفن ليست بالضرورة علاقة تنافر وأن المسرح يستطيع أن يجد لنفسه مكاناً محترماً في الفضاء الديني متى ما حمل رسالة نبيلة وأن المؤسسة الدينية تستطيع أن تكون حاضنةً للثقافة حين تنظر إلى المجتمع بعين واسعة وتفهم أن بناء الإنسان لا يتم بلغة واحدة ..
وهـنا تكمن قيمة المبادرة التي تستحق التقدير لسماحة الشيخ الحجة علي العلي الشحماني "دامت توفيقاته":
• أن يخرج المسرح من عزلته.
• وأن يدخل المسجد إلى فضاء الثقافة.
• وأن يلتقي الاثنان عند الجمهور حيث تبدأ صناعة الوعي الحقيقي.




التعليقات