![]() |
|
|
4
فبراير
2026
|
لماذا لم أكتب عن جزيرة إبستين؟ بقلم جعفر محيي الدين
نشر منذ 2 ساعة - عدد المشاهدات : 51
|
كثيرون سألوني خلال الأيام الماضية..
لماذا لم تكتب عن جزيرة إبستين وفضائحها؟
فالجواب لا يحتاج مراوغة ولا تبرير طويل..
أنا كاتب متأن بطبعي، لا ألآحق الترند، ولا أكتب تحت ضغط الضجيج. فأكتب بعد البحث، وبعد التمحيص، وبعد الرجوع إلى مصادر يمكن الوثوق بها. فهذه القناعة لم تولد من فراغ، انما من أخطاء سابقة علمتني أن الاستعجال في القضايا الكبرى لا يخدم الحقيقة، انما يسيء لها ويشوهها .
لكن السبب الأعمق أبعد من توقيت الكتابة.
لان قضية إبستين، رغم بشاعتها، فهي ليست مجرد قضية جديدة، وليست صدمة أخلاقية غير مسبوقة، ولا انحراف طارئ في منظومة نقية. انما هي حلقة إضافية في سلسلة طويلة من الجرائم التي اعتدنا أن تصدر من عالم يقدم نفسه بوصفه مركز الحضارة والإنسانية وحقوق الإنسان.
فالسؤال الحقيقي ليس..
ماذا جرى في جزيرة إبستين؟
انما لماذا ما زلنا نتفاجأ؟
فعلى مدى عامين، كنا نشاهد مجازر غزة تبث على الهواء مباشرة. حرق خيام النازحين، واستهداف المسعفين والصحفيين ،و قتل الأطفال والنساء، وانتهاك الأسرى، فكل ذلك كان بالصوت والصورة، وتحت مظلة منظومة تدعي الحرية والدفاع عن الإنسان. ومع ذلك، لم تهتز ضمائر العواصم الكبرى، ولم تسقط الأقنعة، انما جرى تبرير الجريمة وتسويقها سياسياً وتبريرها إعلامياً.
كما رأينا مستوطنين يجلسون على التلال المطلة على غزة، يقيمون حفلات لمشاهدة القصف، ويصفقون لاحتراق المدن. فما كانت تلك مشاهد من زمن الهمجية القديمة وفي العصور الوسطى، انما من قلب القرن الحادي والعشرين.
وقبل غزة، كان البوسنة. حين فتح تحقيق أوروبي حول ما سمي بـسياحة القنص، حيث دفع أثرياء أوروبيون لشركات سياحية مقابل فرصة قنص المسلمين المحاصرين في سراييفو.
وقبلها، كان العراق في سجن أبو غريب، وبلاك ووتر، وسلسلة طويلة من الجرائم التي وثقت، ثم طمست، ثم أنغلقت ملفاتها بلا محاسبة.
فكل هذه الجرائم وقعت في زمن الديمقراطية، خلال العقود الثلاثة الأخيرة فقط. أما إذا عدنا إلى تاريخ الاستعمار الأوروبي في آسيا وأفريقيا، فسنجد سجلاً ممتداً من الإبادة والنهب، ولا تزال دول كبرى ترفض حتى الاعتذار عنه، فضلاً عن الاعتراف بمسؤوليتها.
كما ان ملفات إبستين لا تزال قيد التسريب والدراسة، وستتكشف تفاصيل أكثر مع مرور الوقت. لكن من الوهم الاعتقاد أن هذه الملفات ستقود إلى عدالة شاملة.
والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة ليس ما الذي كُشف، انما لماذا كُشف الآن؟
فملفات إبستين ليست مدفونة بالكامل، والأسماء ليست مجهولة، والقصص لم تبدأ هذا العام. ومع ذلك، تحولت القضية فجأة إلى حديث عالمي، وعادت إلى الواجهة بقوة غير مسبوقة.
فهنا تتقاطع عدة احتمالات، وكلها تستحق القراءة بعقل بارد، وليس بعاطفة مسيسة.
لان هناك من يذهب إلى فرضية أن تصاعد الحديث عن إبستين مرتبط بسياق سياسي دولي أوسع، وتحديداً بتوتر العلاقة بين بعض مراكز القرار في واشنطن وتل أبيب، على خلفية تردد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الذهاب إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران.
لكن لو سلمنا جدلاً بهذا التفسير، فإن السؤال المنطقي يصبح..
هل من مصلحة إسرائيل تفجير ملف بهذا الحجم؟
فالواقع يقول العكس.
أي انفجار أخلاقي داخل المنظومة الغربية، وأي كشف واسع لشبكات نفوذ سياسية ومالية، يضع إسرائيل نفسها في مرمى نيران أكبر، لا سيما أن أي مواجهة مع إيران اليوم ستكون مختلفة كلياً عما سبق، وأكثر كلفة وخطورة.
بمعنى أوضح ..من يفكر بعقل استراتيجي لا يختار الانتحار السياسي طريقاً للضغط.
والأقرب إلى الواقع أن ما جرى ليس مؤامرة خارجية بقدر ما هو انفجار داخلي.
فكان ضغط إعلامي غير مسبوق داخل الولايات المتحدة، وصراع مفتوح بين أجنحة السلطة ، الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي ،وتراكم ملفات لم يعد ممكناً احتواؤها.
ففي سبتمبر 2025، نشر تجمع ديمقراطي في مجلس النواب وثائق أعادت تسليط الضوء على شبكة علاقات إبستين، وأظهرت تقاطعات مع شخصيات نافذة في عالم المال والسياسة، مثل..
بيتر ثيل، إيلون ماسك، بيل غيتس، لورانس سامرز، وستيف بانون.
فهذه الوثائق ماكانت أحكام قضائية، لكنها كسرت جدار الصمت، وفتحت الباب أمام تساؤلات أكبر من مجرد فضيحة أخلاقية.
ثم في يناير 2026، جاءت دفعة جديدة من الملفات، أكثر حساسية واتساعاً، أشارت إلى اتصالات وعلاقات مع شخصيات دولية بارزة، من بينها إيهود باراك، وستيف تيش، وهوارد لوتنيك، وكاثي روملير، وميته ماريت، وحتى أسماء ذات طابع سيادي ورمزي مثل ولية عهد النرويج.
وهنا تغير المشهد تماماً.
فلم تعد القضية قصة رجل منحرف، ولا شبكة مغلقة، انما صورة عن منظومة علاقات عابرة للحدود، تتقاطع فيها السياسة بالمال، والنفوذ بالإعلام، والحصانة بالقانون.
فالنتيجة الأهم أن هذه الملفات لم تظهر لأن الضمير استيقظ فجأة، انما لأن ميزان القوى داخل الولايات المتحدة الأمريكية بدأ يختل ،بسبب تصارع النخب السياسية.
وما نراه اليوم قد يكون مقدمة لاختلافات أعمق في السياسة الأمريكية، وربما لرفض شعبي متزايد لهيمنة طبقة ضيقة حكمت باسم الحرية، بينما مارست أبشع أشكال الابتزاز والاستغلال.
لا نوصفها بالثورة الملائكية، انما تمرد متأخر على كذب طويل.
