![]() |
|
|
23
يناير
2026
|
الحكومة تعاقب العلم …وتكافئ الخراب !!! جعفر محيي الدين / النجف
نشر منذ 3 ساعة - عدد المشاهدات : 26
|
ليس كل قرارٍ إداري يقرأ بنصه، فبعض القرارات تقرأ بآثارها، بارتجاف رواتب الناس، بانكسار هيبة الوظيفة، وبالإهانة التي تُلقى في وجه من أفنوا أعمارهم في خدمة العلم والدولة.
والقرار رقم (40) لسنة 2026، ولا سيما الفقرة (7) منه، فهو ليس قراراً تنظيمياً خاطفاً، فهو طعنة مباشرة في جسد الجامعة العراقية، وضرب متعمد لحقوق فئات واسعة من منتسبي وزارة التعليم العالي.
لقد جاءت هذه الفقرة لتقطع مخصصات الخدمة الجامعية عن التدريسي غير المتفرغ كلياً للتدريس، وعن الموظفين الإداريين والفنيين، وتحصرها فقط بمن وُصفوا بـالمتفرغين تماماً للتدريس، وكأن الجامعة صالة درس فقط، لا إدارة ولا مختبر ولا فني ولا باحث ولا نظام متكامل يقوم على تكاتف الجميع.
فإن هذا القرار لا يمثّل مجرد تقليص مالي، انما هو حرمان صريح لحق مالي مقرّر بالقانون، حق لم يُمنح كمنّة من حكومة، انما هو استحقاق تشريعي ثابت، لا يجوز المساس به بقرار إداري مرتجل.
فهذه تعد مخالفة صريحة للقانون وتجاوز على مبدأ المشروعية. لإن الفقرة (7) من هذا القرار المجحف خالفت بوضوح أحكام قانون الخدمة الجامعية وقانون وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، حين قيّدت استحقاق مخصصات الخدمة الجامعية بشرط التفرغ التام للتدريس، رغم أن القوانين النافذة لم تربط التفرغ أو الاستحقاق بممارسة التدريس حصراً.
وقد نصّت المادة (4/ثانياً) من قانون الخدمة الجامعية صراحة على أن التفرغ يتحقق بمباشرة الوظيفة الجامعية بعد إكمال النصاب، وليس بحصر الجهد في القاعة الدراسية فقط.
وبذلك يكون القرار قد شوّه مفهوم التفرغ القانوني، وأفرغه من مضمونه، واستبدل النص التشريعي بإرادة تنفيذية لا تملك هذا الحق.
فإن ما جرى هو خرق فاضح لمبدأ المشروعية الملزم دستورياً، وتجاوزا واضحا من السلطة التنفيذية على اختصاصات ليست لها، في دولة يُفترض أنها تحكم بالقانون وليس بالأمزجة.
كما ان ليس من صلاحيات مجلس الوزراء، مهما كانت الظروف، تعديل أو تعطيل أو تقييد حقوق مالية قررها القانون.
فهذا الدور حصراً من اختصاص السلطة التشريعية، وأي محاولة للالتفاف عليه تمثّل انتهاكاً لمبدأ الفصل بين السلطات، وضرباً لتدرج القاعدة القانونية، حيث لا يجوز لقرار إداري أن يُعطّل قانوناً نافذاً.
والادهى من هذا كله ، ان القرار صدر في ظل ممارسة مجلس الوزراء لصلاحيات تصريف الاعمال (اليومية)، وهي صلاحيات استثنائية ومحدودة، لا تمتد دستورياً إلى اتخاذ قرارات جوهرية تمس الحقوق المكتسبة، ولا تسمح بالعبث بمصائر آلاف الأسر.
فكيف يُتخذ قرارا بهذا الحجم، وبهذا الأثر، في مرحلة يُفترض أن تكون فيها الحكومة حارسة مؤقتة غير مشرعاً بديلاً؟!! وهذا إخلال فاضح بمبدأ المساواة وعدم التمييز. لإن الفقرة (7) لم تكتفِ بمخالفة القانون، فهي ذهبت أبعد من ذلك، حين ميّزت دون أي سند دستوري أو قانوني بين:
• التدريسي المتفرغ تماماً للتدريس
• التدريسي المكلف بأعمال إدارية
• الموظفين الفنيين والإداريين
بالرغم أن الجميع خاضعون لأحكام قانون الخدمة الجامعية، ويؤدون وظائفهم ضمن منظومة واحدة، لا تقوم إلا بتكامل الأدوار.
فهذا التمييز التعسفي يشكّل إخلالاً مباشراً بالمادة (14) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005، التي نصّت بوضوح على المساواة أمام القانون، دون تفريق أو تصنيف مزاجي.
فالعبث بالحقوق المكتسبة إهانة مقنّعة …شلوون؟ لإن مخصصات الخدمة الجامعية ليست مكافأة طارئة، انما هو حق مالي مكتسب، استقر عليه الوضع القانوني لسنوات.
والقاعدة الدستورية المستقرة تؤكد ،لا يجوز المساس بالحقوق المكتسبة إلا بقانون، لا بقرار إداري، ولا بتفسير ملتوي، ولا بذريعة إصلاحية زائفة.
ان ما حدث هو انتقاص مباشر من مورد عيش الموظف البسيط ، وفتح بابا خطيرا للتلاعب برواتب الموظفين، وكأن الدولة تقول لموظفيها..
حقوقكم مؤقتة… وكرامتكم هي قابلة للتفاوض.!!!
وبهذا يكون ضرب العدالة الاجتماعية وكسر الضمان الوظيفي. وتنفيذ هذا القرار يسبب ألحاق ضرر بالغ بشريحة حملة الشهادات العليا، والموظفين الجامعيين، في وقت يعيش فيه البلد أزمات اقتصادية ومعيشية خانقة.
فمثل هذا القرار لا يحمي الدولة، فهو يهشم الطبقة المتعلمة، ويقوض الضمان الوظيفي، ويتناقض مع أبسط مبادئ العدالة الاجتماعية، وحماية الموظف العام، وضمان العيش الكريم.
وهو في جوهره إعادة إنتاج لذهنية الإذلال، تلك التي عرفها العراقيون جيداً في قرارات بعثية سوداء، حين كان الموظف يهان، ويُتلاعب بمصدر رزقه، ويُدفع إلى حافة العيش المهين.
فهنا يجب ان تكون مسؤولية الحكومة بلا موارية. لإن الحكومة تتحمل المسؤولية الكاملة عن هذا القرار المجحف ، وعن نتائجه الاجتماعية والنفسية والمعيشية.
وعدم التراجع عنه يعني الإصرار على خيانة الأمانة التي حمّلها الشعب لحكومة هشة، تُدار بقرارات مرتجلة، لا تُدرك خطورة ما تفعل، وكأن هناك من يريد تقويض ما تبقى من قيمة العلم في العراق.
وهذه القرارات، في جوهرها، لا تختلف كثيراً عما يفعله المعتوه ترامب حين يتلاعب بالاقتصاد بلا حساب، وكأنها مكملة أو مساندة لأعداء البلد، بينما الشعب وحده هو من يدفع الثمن.
الموظف الجامعي اليوم ربّ أسرة، وحين يهتز دخله الشهري، لا تهتز الأرقام فقط، انما تهتز الأسرة، وينهار الاستقرار، ويضيع الغد.
واليوم تُقطع عنه مخصصاته، وباچر؟ ( ليس بعيدا نشوف الموظف واگف بمسطرة العمال، يخيط فتوگ الحكومة) . بينما الحكومة تراقب المشهد من خلف مكاتبها المكيفة.
فهذه ليست سياسة… هذه إهانة.
وهذا القرار ليس إصلاحاً…
انما وصمة عار في جبين من وقّع عليه. / انتهى
