ما قاله قلبي بمناسبة أربعينية الصديق
الغالي المرحوم ريسان حاتم الفهد ..
كم كان يهمني أن أكون معه لنكتب وننشر
من فوهة الصدق وكاتم الحبِّ ..!
ريسان حاتم الفهد ، كان أكبر من كل الكلمات أو أرفع من كل المقالات ...وحينما تناولتُ القلم لأكتب عنــه ، كأنّ جوارحي ابتلّت بالحزن والألم ، ووقفت الكلمات كغصة في فمــي ، إلاّ أني ابصرت مـن خلال آهاتــي ودموعي التــي حملتها تلك السنين المتعبة والمفرحة في آن واحد ، ففزعت روحي وإنقادت إلى كلمات تجمعت لدي لأرجع بها إلى أيام خلت أو إلى سنين ذهبت حينما تعرفت عليه إنساناً يحمل كبرياء الصادقين وبمعيته كتب نجيب محفوظ أو أشعار نزار قباني وبدر السياب .
.. تعرفتُ عليه وبجانبه يقف شخص أطول منه ، شخص طويل ، صديقه المرحوم ( كيلو صادق ) .. كان الوقت ظهراً في فناء رئاسة الجامعة على كورنيش شط العرب .. الزمن في سبعينيات القرن الماضي ، وجلست معهما في غرفة صغيرة ، وبدأ الكلام حول أدب نجيب محفوظ وشعر السياب ونزار قباني وتعلقتُ به وتعلق بي صديقاً منذ عام 1975 ولحد صباح يوم الأربعاء 28 نيسان 2020 كآخر صوت أسمع له من خلال الهاتف ..
في عام 1978 سافرت إلى المملكة المتحدة لغرض الدراسة ، ولما رجعتُ إلى العراق ، كنت أقرأ له على صفحات بعض الصحف ، فمنذ عام 1982 توطدت صداقتي معه .. كان ينشر في صحف البصرة وبغداد ومجلة ألف باء مع زميله الكاتب عبدالحسين الغراوي .. وأتذكر أنه في مرة طلب منه مدير المركز الثقافي في جامعة البصرة حينما كان محرراً في جريدة الجامعة أن يقوم بإجراء مقابلة صحفية مع عميد كلية القانون .. حمل قلمه وأوراقه وأبلغ سكرتيرة العميد بأنه يرغب في مقابلة السيد العميد .. العميد طلب من إداريي الكلية إحضار كافة البيانات والإحصائيات لغرض عرضها في المقابلة فيما إذا تطرق إلى تلك البيانات وبعد مرور أكثر من نصف ساعة المرحوم ريسان أبلغ السكرتيرة أنه تأخر كثيراً ولابد من اجراء المقابلة ، السكرتيرة أبلغت العميد بأن الصحفي ريسان ينتظر خارج غرفة العمادة .. ردّ العميد : من يكون .. من هو؟ قالت السكرتيرة : أنه الصحفي ريسان ..
قال لها : أوه ريسان ؛ قولي له بأني لستُ فارغاً ، لأن
لدي أعمال كثيرة وقولي له في وقت آخر ..
المرحوم ريسان خرج من الكلية وبدل أن يجري المقابلة ، كتب مقالاً شديد اللهجة بعنوان ( مغنية الحي لا تطرب ) وعلى أثر ذلك تم أعفاء العميد من عمادة كلية القانون ونقله خارج الجامعة ..
أستاذ ريسان كان يأخذني إلى سبل
الإرتقاء في شعور خاص وفي كينونة متواصلة من الإبداع والعطاء بالمعاني الملونة في
صفاء النفس ولأن سنوات العمر تنقضي ، وفيها تشيخ الأبدان وقد تؤول كل منعطفاتها
إلى أشياء غامضــة لتسترخي الطباع في مدارات أو فضاءات
يُغازل بعضها كل الأجواء الملونة لكل الفصول في قطرات نادرة من الدموع أو قد تبرز
فيها الأطياف المرنة بالسعادة ،
ومن عطر الزمن تستفيق الروح ليستنشق ما تحت الحروف من أنفاس الحبيبة ، التي أعطته كل حنانها وأرضعته كل حبها والتي غادرته على غير موعد وهو يستعدُّ أن يلوذ بعباءتها و قلبه مملوء بالفرح فيقول :
أبحثُ عن أمّي بين عباءات النساء .
أبحثُ عن روحها في عيون العيد ،
هي كانت عيدي ،
وعلامة فرحي
وحتى علامة حزني ،
كنتُ ألوذ بعباءتها ..
حين كنتُ أخجل من النساء ..
(المقطع مأخوذ من ديوانه ـــ القتل
بكاتم الحبّ ــ قصيدة إلى روح أمي الحاضرة دائماً.. )..
ريسان ؛ كان منه الصدق ينطق بحكايات
أجراس السماء تأخذنا إلى مكان أوسع في خلايا القلوب الدافئة ، فيبثُ العطر الموصوف
بأرقِّ المعاني ، ونَحسُّ تلبد السماء بالغيوم البيضاء ليغتسل الكون كله بحبات
المطر ، ويزفُ الزمن ُ اختصار المسافات في طفولة وشقاوة وصبا ورجولة ، ويبقى ذلك
النجم الوحيد من بين النجوم الغارقة بالدموع إلاّ أنه تهزه المشاعر القوية على
أعتاب خلجات القلب ووجع الضلوع ..وشهقة الوداع الأخير ..
ما وراء الحروف ، اصدر ديوانه ( القتل
بكاتم الحب ) في عام 2015 أهداني نسخة منه بتاريخ 27 / 1 /2015 ، وفي يوم شتائي
بارد ، إتصل بي هاتفياً ، قال لي أتمنى أنه لديك مشاركة نقدية عن ديواني في جلسة
سوف تنعقد في نقابة
الصحفيين العراقيين في البصرة .. قلتُ
له أنا حاضر .. أدار الندوة حينذاك الشاعر أحمد العاشور ، حضرها جمع غفير من
الصحفيين والأدباء والمثقفين ..
بدأتُ ورقتي النقدية :
أبكيتني بهذه الكلمات وسقطت الدموع .. ليس من الغرابة أو المفاجأة أن نقرأ للأخ الأديب والصحفي ريسان الفهد الكلمات العابرة لمسافات طويلة ، والتي يجري بها بسلاسة الماء النقي والمبهر في أرض سهلة دائمة الإخضرار وبهوس الشوق لمن يشتاق لها تحت تهديد كاتم الحب .
**
في آخر لقاء معه كان بتأريخ 16/2 /2020
في قاعة محمود عبدالوهاب بمبنى إتحاد الأدباء والكتاب في البصرة
، وخلال جلوسي بجانبه قدم لي شهادة الشكر والتقدير كعادته السنوية لجهودي المبذولة
ونشاطي في وكالة المرسى نيوز.
**
في سنة 2001 كلفه رئيس جامعة البصرة
الدكتور محمد عبد العال بإدارة قسم الإعلام في الجامعة ، وبدأ نهجاً إعلامياً
مرموقاً وأقام الندوات والدورات الإعلامية لعموم كليات ودوائر الجامعة ..
**
سألته ذات مرة السؤال التالي بتأريخ
5/2/2015 :
ــــ لماذا لا يكون القتل بكاتم العيون ، كونها السبب الحقيقي في جذب المحب للحبيب ؟ وأعقبته بتعليقٍ بسيطٍ : هكذا هو رأيي ، ولكن قد تعشق الأذن قبل العين أحيانا ــــ كما قال صاحبنا الأعمى بشار بن برد ـــ
لم يرد على سؤالي ، لكنه في سنة 2018 ،
ردَّ عليّ ضمن مقالة قصيرة نشرها
على صفحات الفيس بوك : الحبّ هو لوعة
المحب ، وهو سلطان الكبرياء ...
أستاذي ، أنا أتعلم منك ..!!
**
بتاريخ 28 /4 /2020 إتصل بي صباحاً
وتكلم معي بصعوبة فأثار تحسسي
ومما قلت له : هل ذهبت إلى الطبيب ، يا
أخي أراك مجهداً.. وأنت تعاني من ألم ..
لكنه ردّ عليّ : إي نعم سوف أذهب عصر
اليوم إلى الطبيب .. وقال لي : لماذا لا تنشر مسلسل ( حكايات قديمة ) ضمن المرسى ؟
قلت ُ له إنْ شاء الله إبتداءً من الحلقة الجديدة ..
لكن الخبر جاءني في صباح يوم الجمعة
المصادف 1/5/2020 صادماً ومؤلماً ،
أحسست نفسي أنهار مغشياً علي ..
يرحمه الله ، مأواه جنة الفردوس ، إن
شاء الله ... ولا تذمر من مشيئة الله ..




التعليقات