17
يونيو
2021
التمرد والعبث في رواية السقوط .. بقلم االدكتور نجاح هادي كبة/ بغداد
نشر منذ 6 شهر - عدد المشاهدات : 220

السقوط: هي رواية فلسفية كتبها البيركامو ونشرت لأول مرة العام ١٩٥٦م، ترجمة يارة سميح شعاع عن دار نينوى ٢٠١٤م بحدود ١٠٤ص من القطع المتوسط. وتعد أخر عمل متكامل للكاتب، تدور احداثها في امستردام، وتتكون الرواية من سلسة من المنولوجات الدرامية على لسان قاض تائب يدعى (يايتيستكلامانس) ويعني (يوحنا المعمدان) يكشف سيرة حياته الى شخص (لم يصرح باسمه) يكون المتلقي الوحيد في الرواية، يوظف الروائي اسلوب الاعتراف والسيرة الذاتية، ويتحدث (كلامانس) عن نجاحه بوصفه محامي دفاع باريسي ثري له مكانته الاجتماعية بين زملائه والسقوط النهائي له وخروجه لواقع عبثي ومتمرد، وتدور الرواية حول موضوعات عديدة كالبراءة والعدالة والموت والعدم والحقيقة، وصف الفيلسوف الوجودي جان بول سارتر الرواية (قد تكون الأجمل والأقل فهماً من بين روايات البيركامو) (عن الويكبيديا، بتصرف) والرواية فيها غير قليل من الفلسفة الوجودية كالذاتية والنسبية لكنها تنحو منحى متمرداً وعبثياً في الطرح السردي وملخص الرواية أن الانسان مذنب ومجبول على الشر لكن ذلك لا يعني عدم إصلاح الانسان من سلوك وفظائع، ويوظف الروائي على لسان الراوي العليم أسلوب المقارنة بين سلوكين للإنسان ويفضل احدهما على الأخر متمرداً على المجتمع وافكاره، يقول: (باختصار من حين الى أخر يستمتع هؤلاء السادة بالعبث بالسكاكين أو المسدسات... أنهم يموتون رعباً بينما يطلقون الرصاص ومع ذلك فأنني أجدهم أكثر اخلاقاً من الآخرين، أولئك الذين يقتلون في صميم العائلة عبر الاحتكاك).ص:10

ثم يستبطن الراوي العليم تمركز الشر عند البشر، فيقول: (أتعلم أنه قد حدث في قريتي الصغيرة أثناء حملة انتقامية، أن ضابطاً المانياً سأل سيدةً عجوزاً بلطف أن تختار أحد ولديها ليتم اطلاق الرصاص عليه كبديل) ص:١٣. ويقول مؤكداً جانب الشر عند الإنسان: (كنت أعرف قلباً نقياً كان يرفض الشك... وكان يحب البشرية كلها أثناء الحروب الدينية الأخيرة في أوربا عاد الى الريف متقاعداً وكتب على بابه (مهما كان المكان الذي أتيت منه، تعال وأنت على الرحب والسعة فمن الذي استجاب لتلك الدعوة النبيلة؟ رجال المقاومة الذين أحتلوا البيت وبقروا أمعاء صاحبه) ص:١٣، ويضيف: (كنت أعرف صاحب مصنع كانت لديه زوجة كاملة وكانت موضع اعجاب الجميع، ومع ذلك خدعها... لأنه بم يكن يستطيع أن ينال او يمنح شهادة الفضيلة وكلما كثرت الفضائل في زوجته زاد استياؤه، وأخيراً لم يعد بوسعه أن يتحمل العيش مع الخطأ فماذا تظنه فعل؟... لقد قتلها) ص:١٧. لذلك يرى كامو على لسان الراوي العليم أن الإنسان لا يتخلص من الحكم عليه ألا بالموت فالموت في رأيه يجعلنا (دائماً اكثر عدلاً واشد كرماً نحو الموتى؟ السبب بسيط فليس هناك التزام نحوهم أنهم يتركوننا احراراً) ص:٣٧. ولابد من الاشارة الى أن فكرة عدم الالتزام هي فكرة وجودية طرحها جان بول سارتر، كما أكد ذاتية الإنسان، يقول كامو على لسان بطلة عن شابة رآها تغرق وأشاح بوجه عنها فلم ينقذها (آه أيتها الشابة، القي بنفسك في الماء ثانية لكي تتوفر لي فرصة أخرى نقذف فيها نفسينا معاً... ولكن دعنا لا نقلق! فات الوقت الأن وسيفوت الوقت دائماً لحسن الحظ) ص:١٠٤.

وينفي وجود الحرية ويرى: (أدرك أن المرء لا يستطيع الاستمرار في العيش مع الآخرين من دون أن يتحكم فيهم أو من دون أن يخدموه، كل إنسان يحتاج إلى عبيد كما يحتاج إلى الهواء النقي) ص: ٣٤، وينفي الاحسان ويراه الوجه الآخر لتحقيق رغبات الذات، يقول الراوي العليم: (فبينما كنت أترك الأعمى في الناحية الأخرى من الشارع الذي كنت اقوده إليه كنت المس قبعتي ومن الواضح أن تلك اللمسة لم تكن من أجله، لأنه لا يستطيع أن يراها، فلمن كانت موجهة للجمهور. وبعد أن ألعب دوري، انحني ليس سيئاً، أليس كذلك) ص:٣٦، أما عن علاقته بالآخرين فهو يرى ضرورة عدم الثقة بهم (لكي تكون سعيداً، فإنه يجب عليك ألا تكون مهتماً بالآخرين أكثر مما يجب) ص: ٥٨، لذلك يرى أن الفسق بديل عن الحب والطهر: (وحين يئست من الحب والطهر فكرت في الفسق كبديل عن الحب فهو يكبت الضحك ويعيد الصمت ويسبغ الخلود بل أنني عشت في الفسق دائماً دون أن أكف عن الرغبة في أن أكون خالداً… إن الفسق الحقيقي هو تحرير، لأنه لا يأتي بأي التزامات. فأنت تمتلك نفسك فقط): ص٧٣-٧٤، لذلك فهو يؤمن بالعلاقة السادية مع المرأة ويراها أنها محببه لها كما أنه يكفر بالأديان ويرى أن حساب البشر للبشر أقسى من عقاب الله ويبرر الأكاذيب فيقول: (أليست إنها تعني الشيء نفسه)ص: ٨٥، ويرى في الازدواجراحة.

ولا بد من الإشارة إلى أنه على الرغم من أن الراوي العليم (يايتيست) فقط والرواية مونولوجية لكن كامو استطاع أن يحرك الأحداث داخل السرد وكأن عدة شخصيات تتحدث بواسطة تنوع خطاب الراوي العليم وقدرة كامو على دمج الأحداث بالزمان والمكان الممتعين. ولعل من أسباب ظهور فلسفة التمرد والعبث ما يأتي:

١- الحرب العالمية الثانية وما سببته من الآم نفسية ومادية.

٢- ظهور الفلسفة الوجودية ولا سيما في فرنسا لدى جان بول سارتر.

٣- طغيان المادة على الروح في العصر الحديث ولا سيما بعد الثورة الصناعية وظهور الرأسمالية.

٤- سيطرة الكنيسة على حرية الرأي في أوربا وما تبعها من قتال وجدل.

٥- الابتعاد عن المنطق والفلسفة العقلانية لعبثية الوجود الانساني، والتأثر بالفلسفة الشكوكية.

٦- ظهور الأفكار والتيارات التي نادت بالحرية الشخصية او الذاتية وعليه فالانسان حرّ وعليه ان يتمتع بالسعادة في الحياة نتيجة أعماله.

٧- يقول كامو (هذا التمرد ويحقق للحياة قيمتها وعظمتها لأنه يحرض التفكير واعتزاز الأنسان بأمور عدة لحقيقة تتجاوزه ذاته) (من الانترنت، ترجمة: نضال جبار، ١٤ آب، ٢٠٠٣م).

٨- (إن شعور الإنسان بحياته، بتمرده، بحريته، ذلك يعني الصفاء الداخلي وعدم جدوى سلم القيم )) ((من الانترنت، م.ن).

٩- التمرد والعبث كما يرى كامو يعطي معنى للحياة ولا قيمة للحياة بلا معنى.

10- ظهور الحداثة ومحاولة نقدها .

 

 

 

 

 


صور مرفقة






أخبار متعلقة
مشاركة الخبر
تابعنا على الفيس بوك
استطلاع رأى

عدد الأصوات : 0

أخبار