يُعد الموسيقار طالب القرغولي (1939 – 2013) أحد أبرز أعمدة الأغنية العراقية والشرقية في القرن العشرين. ارتبط اسمه بطفرة التجديد الموسيقي التي شهدها العراق خلال فترة السبعينيات، حيث نجح في صياغة مدرسة لحنية متفردة جمعت بين شجن وعمق الغناء الريفي الجنوبي وبين حداثة الألحان البغدادية المدنية، ليصبح بحق أحد صُنّاع الذاكرة الوجدانية للعراقيين.

#النشأة والتكوين: من الفرات إلى بغداد

وُلد طالب بن جبر القرغولي الزبيدي في 1 يوليو عام 1939 في ناحية النصر التابعة لمدينة الناصرية بمحافظة ذي قار. نشأ القرغولي في بيئة جنوبية مشبعة بالفطرة الغنائية والشعر الحزين الذي تميزت به مناطق الأهوار وضفاف الفرات.

بدأ مشواره المهني كمعلم لمادة النشيد والموسيقى في النشاط المدرسي بالناصرية. هناك شخّص مبكراً العديد من المواهب المحلية الشابة التي أصبحت لاحقاً قامات في الغناء العراقي، مثل الفنان حسين نعمة. دفعه شغفه بالعود والنغم إلى الانتقال للعاصمة بغداد والالتحاق بـ معهد الفنون الجميلة لصقل موهبته الفطرية دراسياً وتحويلها إلى معرفة أكاديمية بالنوتة والمقامات الموسيقية.

#ثورة التجديد الفني ومفهوم "الأغنية الطويلة"

قبل السبعينيات، كانت الأغنية العراقية تميل إلى القوالب القصيرة والمباشرة. أحدث القرغولي نقلة نوعية كبرى كونه أول ملحن ومطرب عراقي يتعامل مع القصائد الطويلة المكتوبة كشعر وجداني معقد.

تميزت رؤيته اللحنية بالقدرة على تفكيك النص الشعري وإعادة صياغته موسيقياً عبر تنقلات مقامية رصينة ومقدمات موسيقية تعبيرية طويلة، حيث كان يؤمن بأن اللحن يجب أن يولد من الوجدان لا من القوالب الجاهزة الجامدة. شكّل القرغولي ثنائيات فنية تاريخية مع كبار شعراء الحداثة في الأغنية السبعينية، وفي مقدمتهم الشاعر الكبير مظفر النواب، وزامل سعيد فتاح، وكاظم الرويعي.

#صانع النجوم وأبرز الألحان الخالدة

لم تكن ألحان القرغولي مجرد نغمات عابرة، بل كانت هويات فنية أعادت صياغة مسيرة العديد من عمالقة الغناء العراقي:

* مع ياس خضر: قدّم له روائع لا تموت، مثل "مرينه بيكم حمد" (شعر مظفر النواب)، وأغنية "البنفسج"، وأغنية "عزاز" التي تُصنف كواحدة من أعمق الأغاني التعبيرية عن الشوق والكرامة.

* مع حسين نعمة: أثمر التعاون بينهما عن أعمال رصينة مثل "يا حريمة" و"حبيبي الما أريده"، والتي أبرزت المساحات التعبيرية الدافئة في صوت حسين نعمة.

* مع سعدون جابر: لحّن له أغنيات تركت أثراً كبيراً في الشارع العراقي، منها "حسبالي" و"مگطوعة مثل خيط السمچ روحي".

* بصوته كفنان: لم يكتفِ بالتلحين بل غنّى بصوت يحمل بحّة جنوبية مؤثرة، وتعتبر أغنيته الشهيرة "حاسبينك" بمثابة النشيد العاطفي الذي ردّدته الأجيال المتعاقبة، بالإضافة إلى أغنيات أخرى مثل "أتنه اتنه" و"كذاب".

* 

#الحياة الشخصية والمحطة الأخيرة

تزوج الفنان طالب القرغولي خلال حياته من الفنانة والمخرجة العراقية التفات عزيز وانفصلا لاحقاً، وله من الأولاد الإعلامية أنغام طالب وأسماء.

عاش القرغولي سنواته الأخيرة متأثراً بتداعيات الأزمات السياسية التي مر بها العراق، فضلاً عن تدهور وضعه الصحي بشكل كبير نتيجة إصابته المزمنة بمرض السكري. أدى المرض في نهاية المطاف إلى بتر ساقه اليمنى، ليعود إلى مسقط رأسه في الناصرية ويعيش هناك حياة يكتنفها البؤس والابتعاد عن الأضواء.

توفي الموسيقار الكبير قبل ظهر يوم الخميس 16 مايو 2013 في مستشفى الحسين التعليمي بالناصرية عن عمر ناهز 73 عاماً. نُقل جثمانه إلى مرقد مثواه الأخير وسط حضور حاشد من أصدقاء جيله ومحبيه من الفنانين، تاركاً خلفه إرثاً موسيقياً زاخراً يتلألأ كنجم دائم في سماء الفن العربي./ انتهى 

 

منقول