كتابة رحيم الحلي
بعد سنوات طويلة من الغربة والابتعاد عن بغداد، سعدت بزيارة الملحن العراقي الكبير صباح زيارة في مكتبه القريب من مبنى الإذاعة والتلفزيون، ذلك المكان الذي تحول على مدى سنوات إلى ملتقى للمطربين والملحنين والشعراء والموسيقيين، وشاهد على جانب مهم من تاريخ الأغنية العراقية.
لم يكن اللقاء مجرد زيارة لفنان عرفناه من خلال ألحانه، بل كان فرصة لاستعادة ذكريات جيل من المبدعين الذين منحوا الأغنية العراقية أجمل ما لديهم من موهبة وإحساس.
فالأغنية الجميلة ليست مجرد كلمات ولحن وصوت، وإنما هي قطعة من الفرح تظل ترافق الإنسان، وتعيد إليه ذكريات الأمكنة والأحبة والسنوات البعيدة. وصباح زيارة واحد من أولئك الملحنين الذين أسهموا في صناعة هذا الفرح.
بدأت علاقته بالموسيقى منذ طفولته، حين انتقلت عائلته إلى أربيل بحكم عمل والده. وهناك، في عام 1964، وهو تلميذ في الصف الثالث الابتدائي، اختير ضمن مجموعة من الأطفال للمشاركة في فرقة الإنشاد المدرسية. وكانوا يؤدون الأناشيد الوطنية والأغاني المعروفة آنذاك، وقد تعلق منذ تلك السنوات بصوت المطرب رضا علي وأغانيه، إلى جانب ما كان يسمعه من ألوان الغناء العراقي والعربي.
وفي عام 1975، التحق بمعهد للموسيقى، حيث درس أصول الغناء والعزف، وبدأت موهبته في التلحين تتبلور بصورة أكثر وضوحاََ، وفي تلك المرحلة لحّن أغنيات للمنظمات الجماهيرية وعدد من المطربين الشعبيين، وقدم له الشاعر فالح حسون الدراجي، نحو سبع أغنيات. كما تعامل مع أصوات شعبية أخرى، بينها مكي حسن المعروف بمكي العماري، ومضر البصري.
غير أن انتقاله إلى العمل الإذاعي لم يكن سهلاََ، خصوصاً خلال سنوات الحرب العراقية الإيرانية، عندما كان يؤدي الخدمة العسكرية، وكانت هناك قيود على دخول العسكريين إلى الإذاعة لتسجيل الأغاني.
ويروي صباح زيارة أن الشاعر الغنائي فالح حسون الدراجي كان له دور مهم في فتح الطريق أمامه، حين استمع إلى أحد ألحانه وأعجب به، ثم اصطحبه إلى الملحن الكبير الراحل فاروق هلال. وبعد استماع فاروق هلال إلى اللحن، أبدى إعجابه به ووافق على تسجيل الأغنية، التي حققت انتشاراََ واسعاََ، فكانت خطوة مهمة في مسيرته الفنية.
ومنذ ذلك الوقت توالت ألحانه، وبدأ اسمه يرتبط بعدد من الأصوات الغنائية العراقية، بعضها كان في بداياته، وبعضها الآخر أصبح من الأسماء المعروفة في الساحة الفنية.
ومن أبرز المطربين الذين تعامل معهم الفنان حسين الغزال، الذي غنى له نحو خمس أغنيات، بينها أغنية مؤثرة عن الأم، من كلمات الشاعر حسين الشريفي، يستعيد فيها الابن حنينه إلى أمه وذكريات الطفولة.
كما لحّن للمطرب الكبير الراحل سعد الحلي ثلاث أغنيات، منها "توني عرفت الزين والشين" من كلمات علي العتابي، و"يا الغايب عليك العين" من كلمات جودة التميمي.
وتوقف صباح زيارة عند ذكرياته مع سعد الحلي، مستعيداََ واحدة من أجمل الأغنيات التي جمعتهما، وهي "ودعتك أنا بحزن"، من كلمات الشاعر الراحل جلال الشرقي. وروى أن الشاعر عرض عليه كلماتها وهما في السيارة، فتأثر بها ووعده بإكمال تلحينها عند وصولهما إلى المكتب. وهي حكاية تكشف كيف كانت الأغنية تولد أحياناََ من لحظة إنسانية عفوية، قبل أن تتحول إلى عمل فني.
ومن الأصوات التي ارتبطت بألحانه المطرب محمد السامر، الذي قدم له، بحسب حديثه، أكثر من عشرين أغنية، إلى جانب رضا الخياط وعماد الريحاني وعمار العربي، وعدد من المطربين الآخرين.
وكان للمطرب الراحل حسين علي حضورا خاصا في ذاكرة صباح زيارة، فقد تحدث عنه بإعجاب وحزن، مستذكراََ قدرته على أداء ألوان غنائية متعددة، من الغناء الريفي إلى الأغنية العربية، فضلاََ عن إجادته الأطوار الشعبية مثل العتابة والسويحلي. ورأى أنه كان يمتلك موهبة تؤهله للوصول إلى شهرة عربية واسعة لولا رحيله المبكر. ومن الأغنيات التي لحنها له "أمنت قلب وخنت".
ولم يقتصر نشاط صباح زيارة على الأغنية العاطفية والشعبية، بل امتد إلى الأناشيد الدينية التي قدم بعضها بصوت المنشد عامر الكاظمي، وإلى أغاني الأطفال التي شاركت في أدائها الفنانة يمام ومجاميع من الأطفال. كما وضع ألحاناََ لأغانٍ رياضية وأعمال ذات مضامين اجتماعية ووطنية.
أما في مجال الشعر الغنائي، فقد كانت له علاقة وثيقة بالشاعر الراحل جودة التميمي، الذي كتب له أكثر من عشر أغنيات، تناول بعضها الأرض والإنسان وهموم الحياة. واحتفظ الملحن بصورة تجمعه بالشاعر في شبابه، يستعيد من خلالها ذكريات التعاون الفني والصداقة التي جمعتهما.
وتعاون أيضاََ مع الشاعر حسين الشريفي، الذي كتب له عدداََ من الأغنيات، والشاعر جبار صدام، إلى جانب أسماء أخرى اعتذر عن عدم تذكرها جميعاََ، نظراََ لكثرة الأعمال التي قدمها على امتداد مسيرته.
وخلال اللقاء، تحدث عن علاقاته الودية مع عدد كبير من الفنانين، بينهم الملحن جعفر الخفاف والفنان صباح الخياط، مؤكداََ أن مكتبه كان ملتقى مفتوحاََ للأصدقاء والمبدعين. وقد مرّ به، كما يقول، كبار المطربين والملحنين والشعراء، منهم الراحل عبد الجبار الدراجي وعبد الحسين السماوي إلى طالب القره غولي وغيرهم من رموز الأغنية العراقية.
ولم يكن ذلك المكان مجرد مكتب للعمل، بل كان أشبه بمنتدى موسيقي تتبادل فيه الأفكار والذكريات، وتولد فيه الألحان، وتناقش فيه التجارب الفنية. كما أسهم صباح زيارة في تعليم عدد من الشباب العزف على العود، وتخرج على يديه عازفون واصلوا طريقهم في الموسيقى.
وتطرق حديثنا إلى واقع الأغنية العراقية اليوم، فأبدى قلقه من ضعف الاختيارات الغنائية لدى بعض الأصوات الشابة، رغم امتلاكها خامات صوتية جميلة. وقال إن المشكلة ليست دائماََ في الصوت، بل في اختيار الكلمات والألحان، وفي قدرة المطرب على الإحساس بالعمل الذي يؤديه.
واستشهد بأغنيات الملحن الكبير طالب القره غولي التي قدمها ياس خضر، وبأعمال فاضل عواد وحسين نعمة، وغيرها من الأغنيات التي ظلت حاضرة في ذاكرة العراقيين لأكثر من نصف قرن.
وفي سياق الحديث، طرحت عليه فكرة أن الأغنية، شأنها شأن الكائنات الحية، تحتاج إلى مقومات للبقاء، وأن الكلمات الجميلة واللحن الأصيل والصوت المعبر هي العناصر التي تمنحها القدرة على مقاومة النسيان. وقد اتفق معي على أهمية تكامل هذه العناصر الثلاثة في صناعة العمل الغنائي الناجح.
ولم يُخفِ صباح زيارة استياءه من تراجع البرامج الموسيقية والغنائية المتخصصة في وسائل الإعلام العراقية، مستذكراََ البرامج التي كانت تهتم بالأصوات الشابة والغناء الريفي والمقام العراقي، وتستضيف الشعراء والملحنين والمطربين، وتتيح للجمهور التعرف إلى تجاربهم.
وأشار إلى أن كثيراََ من الفنانين في المحافظات العراقية يتصلون به بحثاََ عن فرصة للظهور في برنامج فني، لكنه لا يستطيع مساعدتهم في ظل غياب هذه البرامج.
ورأى أن القنوات الفضائية مقصرة في رعاية الأغنية العراقية الجادة والتعريف بمبدعيها، وأن تبرير ذلك بقلة الإمكانات المالية لا يكفي لتفسير هذا الإهمال.
وأعتقد أن هذه القضية لا تتعلق بالمال وحده، بل بمدى إدراك المؤسسات الإعلامية لأهمية الموسيقى والغناء في الحياة الثقافية، وبالشعور بالمسؤولية تجاه تراثنا الفني. فالأغنية العراقية ليست مادة ترفيهية عابرة، وإنما جزء من الذاكرة الوطنية والاجتماعية، ومن حق مبدعيها أن يجدوا منابر تليق بتاريخهم وعطائهم.
ورغم هذه الملاحظات، فإن صباح زيارة لم يفقد حماسته للعمل، وما زال يواصل التلحين والتعاون مع الشعراء والمطربين.
وقد حدثني عن أغنية جديدة من كلمات الفنان حسين الغزال، تحمل مشاعر الحنين إلى الأهل والوطن والأصدقاء، وعن عمل آخر من كلمات شاعرة كويتية تُعرف باسم "الأميرة بنت العرب"، بعنوان "ما عندنا حظ ويا الفرح"، فضلاََ عن تعاونات جديدة مع شعراء عراقيين شباب.
وكان أكثر ما أسعدني في هذا اللقاء أنني وجدت أمامي فناناََ لم تنطفئ جذوة الإبداع في داخله، رغم ما مرّ به العراق من حروب وأزمات وتحولات، وما أصاب الحركة الغنائية من تراجع في الاهتمام والرعاية.
لقد بقي مكتبه نافذة مفتوحة على عالم الموسيقى، ومكاناََ تتواصل فيه الذكريات مع الحاضر، وتلتقي فيه أسماء الرواد بأحلام الأجيال الجديدة.
غادرت صباح زيارة وأنا أشعر بأنني لم ألتقِ ملحناََ كبيراََ فحسب، بل التقيت شاهداََ على مرحلة مهمة من تاريخ الأغنية العراقية، وفناناََ يعرف قيمة الكلمة الجميلة واللحن الصادق والصوت الذي يصل إلى القلوب.
إن صباح زيارة واحد من الملحنين الذين يستحقون المزيد من الدراسة والتوثيق، لا لما قدموه من ألحان ناجحة فحسب، بل لما أسهموا به في اكتشاف الأصوات الغنائية ورعاية المواهب، وفي إبقاء الأغنية العراقية متصلة بجذورها الشعبية والإنسانية.
تحية محبة وتقدير لهذا الفنان الأصيل، الذي ما زال يزرع الفرح بالألحان، ويحمل في ذاكرته حكايات جميلة عن رجال ونساء صنعوا جانباََ مضيئاََ من تاريخ الموسيقى والغناء في العراق.




التعليقات