فـي العراق يبدو أن الديمقراطية لم تكتفِ باستيراد صناديق الاقتراع وآليات القانون والممارسة الإنتخابية فقد استوردت معها شيئاً أكثر غرابة:
(عبادة السياسي)
الـسياسي في هذا البلد ليس مجرد موظف عام تنتهي مهمته حين يفشل ويتكرر فشله في كل مرة ..
الـسياسي في العراق قد يتحول إلى كائن فوق السؤال وفوق النقد وفوق الحساب!
يـكفي أن يحمل راية الحزب المناسبة أو ينتمي إلى الجماعة المناسبة حتى يصبح الخطأ في حقه
«مؤامرة»
والنقد له
«استهدافاً»
ومحاسبته
«استهدافاً للمكوّن»!
هـنا تبلغ السياسة العراقية درجة فلسفية عجيبة:
لا تسأل ماذا فعل السياسي واسأل أولاً لمَـن ينتمي!
فإذا كان من جماعتك فساده
«اجتهاد»
وفشله
«ظرف قاهر»
وكذبه
«حنكة سياسية»
وتراجعه عن وعوده
«مرونة»
أمـا إذا كان من خصومك فالخطأ نفسه يصبح خيانة وطنية تستوجب النفي السياسي!
هـكذا لم تعد صناديق الاقتراع تنتج ممثلين للشعب بقدر ما تنتج أحياناً «كهنة» جدداً لقبائل سياسية قديمة!
الأغـرب أن بعض الجمهور لا يريد من السياسي أن يكون ناجحاً يريد فقط أن يكون «سياسيه» هو لا غير ..
النجاح يصبح تفصيلاً والولاء يصبح العقيدة والزعيم يصبح المرجع الذي لا يُـسأل عما يفعل!
إن أخـطر ما يمكن أن يحدث للديمقراطية هو أن تتحول من نظام للمساءلة إلى نظام للولاء لأن السياسي الذي لا يخاف من محاسبة الناس سيبدأ عاجلاً أم آجلاً بالنظر:
• إلى الدولة باعتبارها ملكاً لجماعته.
• وإلى المال العام باعتباره غنيمة مشروعة.
• وإلى المنصب باعتباره حقاً مكتسباً.
وهـنا يصبح المشهد أقرب إلى «معبد» سياسي:
١- رموزٌ تُـقدّس.
٢- وأتباعٌ يصفقون.
٣- وخطايا تُـغفر.
٤- وحسابٌ مؤجل إلى يوم لا يأتي.
لـكن الدولة الصحيحة لا تحتاج آلهة سياسية ..
الدولة الصحيحة تحتاج مواطنين ومسؤولين متساوين أمام القانون ..
• فـالسياسي ليس صنماً ..
• والحزب ليس عقيدة ..
• والطائفة ليست جواز عبور إلى ما وراء المساءلة ..
• والمنصب ليس ملكية شخصية.
• والناخب ليس تابعاً أبدياً.
حين يصبح السياسي مقدساً تصبح الدولة هي القربان.
وهـذه هي المفارقة العراقية الكبرى:
أننا أنشأنا نظاماً يفترض أن يحاسب السياسي ثم أخذنا نبحث عن ذرائع كي لا نحاسبه!
ربـما آن الأوان أن نكسر هذا الوثن السياسي الصغير:
• أن ننتخب الإنسان لا الرمز.
• ونحاسب المسؤول لا نحميه.
• ونحترم المبدأ لا الشخص.
فـالديمقراطية التي لا تستطيع أن تقول لمسؤولها «أخطأت» ليست ديمقراطية كاملة ..
إنها مجرد طقس انتخابي يتكرر بينما تبقى الأصنام في أماكنها.




التعليقات