منذ اللحظة التي وجه فيها دونالد ترامب سؤاله إلى رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بشأن اغتيال الشهيد قاسم سليماني (رض) داخل العراق، انشغل كثيرون بتحليل المشهد. فذهب بعضهم إلى أن السؤال كان محاولة لإحراج الزيدي، فيما رأى آخرون أن الجواب كان دبلوماسياً وذكياً، استطاع من خلاله تجاوز الموقف دون الاصطدام بالإدارة الأمريكية.

غير أن ما غاب عن معظم تلك القراءات هو جوهر  القضية ،فالمشهد بمجمله يقود إلى استنتاج مختلف تماماً فنحن لا نرى أن السؤال كان مفاجئاً، ولا أن الجواب جاء ارتجالاً، انما نعتقد أن السؤال كان مبيتاً، وأن الجواب كان قريناً له ومكملاً لرسالته.وما كان المقصود إحراج رئيس الوزراء، وإنما إيصال رسالة سياسية عبر منصة البيت الأبيض إلى الأطراف المؤثرة في المنطقة، وفي مقدمتها القوى السياسية المرتبطة بمحور الجمهورية الإسلامية، وكذلك الفصائل المقاومة.


فعندما يقول رئيس الوزراء إنه جاء ليتحدث عن مستقبل العراق، وإنه لا يريد العودة إلى ملفات الماضي، فالمقصود هنا لا يقتصر على تجاوز حادثة اغتيال سليماني، فهو يحمل دلالة سياسية أوسع. فمفهوم (المستقبل) في الخطابات الأمريكية يرتبط بإعادة رسم خارطة المنطقة، ونقلها إلى مرحلة جديدة تقوم على إنهاء الصراعات المفتوحة، والدفع نحو ترتيبات سياسية مختلفة، من بينها توسيع مسار السلام مع الكيان الإسرائيلي، وتقليص حضور محور المقاومة في معادلات المنطقة.


ولا يعني ذلك الجزم بأن العراق سيشهد تطبيعاً غداً أو بعد غد، ولا يتضمن اتهاماً لأحد بالعمالة أو التخلي عن ثوابته، لكن هذا الجواب يفتح الباب أمام قراءة سياسية ترى أن مثل هذا المسار لم يعد بعيداً عن حسابات الولايات المتحدة، وأن الرسائل التي أطلقت من البيت الأبيض كانت تمهد لهذا الاتجاه أكثر من كونها تتناول ملفاً من الماضي.


وفي المقابل، فإن هذه الرسالة تحمل دلالة معاكسة أيضاً. فلو كانت الولايات المتحدة قد حسمت الصراع مع الجمهورية الإسلامية، لما احتاجت إلى كل هذه الرسائل والإشارات. وكما يقول ابو المثل .. اللي تلسعه الشوربة ينفخ بالزبادي ،فإن هذا الحذر الأمريكي لا يصدر عن قوة مطمئنة، انما عن خصم يدرك أن خصمه ما زال حاضر وقادر على إرباك حساباته. ومن هنا، فإن مجرد السعي إلى مخاطبة هذا المحور يؤكد أنه ما زال رقماً صعباً في معادلات المنطقة، وأن المشروع الإيراني لم يطوى كما يروج البعض.

ورغم ما شهدته المنطقة من تحولات كبيرة، بدءاً من تغيير النظام في سوريا، والتبدلات التي أصابت الساحة اللبنانية، وما رافقها من اتفاقات سياسية، فإن ذلك لا يعني انتهاء المشروع الإيراني أو انكسار فكرة المقاومة. فالعراق، بوصفه بوابة الشرق، ما زال يمثل محوراً أساسياً في هذا الصراع، وما يجري فيه ينعكس على اليمن ولبنان وسائر الإقليم.


ولو كانت واشنطن قد حسمت معركتها السياسية مع الجمهورية الإسلامية، لما استمرت في إدارة هذا الصراع بكل أدواته السياسية والعسكرية والاقتصادية والإعلامية. فالدول العظمى لا تواصل استنزاف طاقاتها في مواجهة خصم انتهى تأثيره، بل تفعل ذلك عندما تدرك أن هذا الخصم ما زال قادراً على تعطيل مشاريعها وإرباك حساباتها.

وربما ينطبق هنا ما يقوله إخواننا المصريون في مثلهم الشعبي ..آخرة التنطيط طيط ، فترامب، ومن سبقه، ومن سيأتي بعده، قد يبدلون الأساليب والعناوين، لكن إذا بقيت النتيجة النهائية دون تحقيق الهدف الاستراتيجي الذي سعوا إليه، فإن كل ذلك التنطيط السياسي لا يغير من الحقيقة شيئ.


وعلى هذا الاساس، فإن السؤال الذي طرحه ترامب، والجواب الذي قدمه الزيدي، لا يمكن عزلهما عن هذا السياق. إنهما، في نظرنا، رسالة سياسية متبادلة أكثر من كونهما حواراً شكلياً، ورسالة موجهة إلى الإقليم بقدر ما هي موجهة إلى الداخل العراقي، تؤكد أن معركة النفوذ في المنطقة ما زالت مفتوحة، وأن مستقبلها لم يحسم بعد، مهما تعددت التحولات وتبدلت المواقف.