في لحظة شاردة وأنا أتأمل تفاصيل ما نعيشه اليوم من واقعٍ غريب وعجيب ، يكشر فيه الفساد عن أنيابه المخيفة ويضرب أطناب الوطن بأشكال وألوان الفساد الإجرامي ، سرحت بخيالي وكأنني أغط في سبات عميق لأعود الى مرحلة الصبا وأستذكر لحظات من الرعب انسجمت مع صغر سني وبساطة تفكيري مطلع السبعينيات من القرن الماضي ، وتحديدا مع مسلسل أو فيلم الرعب الذي كان بطله الملقب بـ "أبو طبر" ومعذرة لنجم منتخبنا الوطني أيمن حسين .

فأبو طبر كان مجرما موغلا في الاجرام لا يعرف سوى القتل والسرقة والتمثيل بضحاياه يومها عاشت العاصمة بغداد حالة من الرعب والشلل والترقب ، وكان السؤال الذي يتردد على ألسنة الجميع من سيكون الضحية المقبلة لهذا القاتل ؟

ومع مرور الوقت أدركت أن النظام البعثي المقبور بمخابراته وأجهزته الأمنية كان هو أبو طبر وأباه وأمه اذ استهدف كل من ظن أنه مصدر خطر عليه فعاث في الأرض قتلا بحق الأبرياء ، ثم أقنع الناس آنذاك بأن عصابة "أبو طبر" هي المسؤولة عن كل تلك الجرائم ليلصق في نهاية المطاف التهمة بعائلة بسيطة حملت وزر جرائم لم ترتكبها .

تقبل الناس البسطاء حينها الرواية الرسمية وفرحوا بنهاية ذلك المسلسل الباهت ، لكن لأن المأساة تتجذر في كل زمان ومكان ، كان لا بد من البحث عن "أبو طبر" جديد يلبس ثوب العار والجريمة .

غير أن الزمن تغيّر ومع تطور التكنولوجيا أصبح الذكاء الاصطناعي هو المتهم الجاهز الذي يتقبل كل شيء فالمدير الفاسد الذي يمارس الرذيلة في مكتبه يلقي باللوم على الذكاء الاصطناعي، مدعيا أن الصور مفبركة ، والسارق الذي نهب البلاد وأكل الأخضر واليابس يبرر بمساعدة محاميه ، صور وأفلام المليارات المدفونة في مزرعته بأنها من صنع الذكاء الاصطناعي ، وكذلك مشاهد الحفلات الباذخة لأبناء بعض المسؤولين في الخارج ، وهم ينثرون آلاف الدولارات على رؤوس الراقصات لتصبح جميعها بحسب زعمهم مجرد فبركات رقمية .

والحقيقة أن كشف التزييف الناتج عن الذكاء الاصطناعي أصبح أمرا ميسرا ، وليس بالصعوبة التي يحاول البعض تصويرها ولا أعقد من تفسيرات "أبو طبر" القديمة .

لقد كتب على شعبنا المسكين أن يعيش الويلات في سلسلة متتابعة من الأنظمة التي ابتلينا بها بين أنظمة اجرامية ملوثة بالدماء وأخرى فاسدة تمتهن كرامة الشعب وتبدد ثرواته .

ولم يعد أمامنا اليوم سوى أن نرفع أكف الدعاء إلى الله ، وأن يواصل رئيس مجلس الوزراء عزمه بالهمة نفسها فيضرب أوكار الفساد و رؤوس المفسدين دون وجل من كبار الحيتان فكلما سقط أحدها ظهرت أخرى ، ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم .