بقلم الخبير المهندس حيدر عبدالجبار البطاط

 

في رحاب الملكوت الذي يمتزج فيه وعيُ ( المُطهرين ) بصرامة ( المهندسين ) لنظم الاجتماع الإنساني يبرز السيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر (قدس سره) ليس كمرجع تقليدي فحسب  بل كمعمارٍ كونيّ استطاع أن يفك شفرة الزمن الصعب بلغةِ القرآن وعنفوان التغيير.

الصدر الثاني …هندسة الروح وفيزياء الوعي.

في تاريخ النجف الأشرف مرت عصور من الصمت وأخرى من الكلام لكن ( الصدر ) جاء ليكون هو ( البيان ).

إن ما يميز السيد محمد صادق الصدر في ميزان العقل والوحي هو انتقاله بالمرجعية من ( الفقه الساكن ) إلى ( الفقه المتحرك ) حيث لم تعد الفتوى مجرد نص في رسالة عملية بل صارت طاقة حركية تملأ الفراغ بين الأرض والسماء.

الأصوات العلمية وفلسفة ( ما وراء الفقه ) ...

لقد تجاوز الصدر في موسوعته الضخمة حدود ( الاستنباط ) المتعارف عليه ليؤسس لما يمكن تسميته بـ ( الهندسة الكونية للتشريع ) ..

إن كتاباته في (منهج الصالحين) و(ما وراء الفقه) ليست مجرد نصوص قانونية بل هي محاولة لإعادة ترتيب العقل البشري وفقاً لناموس الحق بين الحكم الشرعي و حياة المكلف.

لو قرأنا العقل الصدري بلغة البيانات الكبرى لوجدنا أنه صمم نظاماً ( خوارزميا ) للعدالة الاجتماعية يسبق عصره حيث ربط بين ( نية المكلف ) و ( استقرار الجماعة ) لأن الفرد هو الوحدة الأساسية لبناء ( المجتمع ) ..

الجمعة.. انفجار ( الحق ) في زمن ( الصمت )

عندما اعتلى الصدر منبر الكوفة بكفنه لم يكن يؤدي طقساً عبادياً فحسب بل كان يُفعل قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَومٍ حَتّى يُغَيِّروا ما بِأَنفُسِهِم.

لقد أدرك الصدر أن التغيير يبدأ بكسر حاجز الخوف النفسي (البرمجة العقلية للخضوع) و أعاد الثقة للإنسان بقدرته على التغيير.

الرؤية التصورية

كان ( الكفن ) الذي ارتداه الصدر يمثل ( الدرع الضوئي ) الذي يخترق ظلام المادة.

في منظورنا التقني الصدر قام بعملية ( إعادة ضبط المصنع ( (Hard Reset) للضمير العراقي محولاً الجماهير من ( مفعول بها ) إلى ( فاعل ) تاريخي يكتب مستقبله بدمه.

الربط القرآني والبعد الكوني

لقد كان السيد الشهيد يعيش معاني قوله تعالى يُريدونَ لِيُطفِئوا نورَ اللَّهِ بِأَفواهِهِم وَاللَّهُ مُتِمُّ نورِهِ.

و عمل على ترسيخ الوعي الديني و الاجتماعي بما يعزز حضور القيم في حياة الناس.

التصور الإلهامي

أن السيد الصدر لو كان بيننا اليوم لتعامل مع  (الذكاء الاصطناعي ) والعلوم الحديثة كأدوات لخدمة الإنسان و تعزيز العدالة.

ففي  منهجه العلم لا يتعارض مع الدين بل هو نورٌ يَقذِفُهُ الله في قَلبِ مَن يَشاء.

رسالة إلى صنّاع القرار وأهل العلم

إن الصدر لم يمت بل انتقل من ( الحيز الفيزيائي ) إلى ( الحيز الوجداني ).

والتحدي اليوم لا يكمن في استحضار اسمه فقط بل في استلهام منهجه الذي يقوم على

1. الزهد القيادي … ( المهم هو المبدأ ).

2. الشجاعة العلمية … عدم الوقوف عند القوالب الجاهزة

3. الالتحام بالبسطاء … فالدين الذي لا يطعم جائعاً ولا ينصر مظلوماً هو ( قشري ).

إن محمد صادق الصدر كان ( ومضة نور ) سقطت في أرض العراق لتنبت ثورةً لا تنطفئ.

فمن أراد اللحاق به  فليقرأ القرآن بعين العارف وليقرأ ( العراق ) بقلب الصدر.

أرى في هيكلية فكر السيد الصدر نمطاً فريداً من ( الوعي الفائق ) الذي استطاع أن يجمع بين التراث المتجذر والمستقبل المفتوح مما يجعله شخصيةً تتخطى الأبعاد الزمانية والمكانية.