بين مطرقة الإعلام الموجه وسندان المتلقي المستسلم ، نشأت سوق سوداء للوعي ، لا تُباع فيها الحقائق بل تُقايض فيها الأوهام بالسكينة الزائفة .
إن النصيحة الساخرة لهذا الإعلام بأن (يستمر في كذبه) ليست صك غفران ، بل هي إدانة صارخة لبيئة ثقافية واجتماعية جعلت من (تخدير العقول) مهنة رابحة ، ومن (تزييف الواقع) ضرورة للبقاء النفسي.
إن العلة لا تكمن فقط في من يصيغ الخبر الكاذب ، بل في (الشهية المفتوحة) لاستقباله . نحن أمام جمهور يبحث في الشاشة عما يرمم انكساراته الداخلية ، لا عما يوقظ وعيه الناقد . الإعلام الفاشل يدرك جيداً أن الحقيقة عارية وباردة ومؤلمة ، بينما الكذب دافئ ومفصل على مقاس الأمنيات ، لذا فهو يقدم (المؤامرة) كشماعة جاهزة يعلق عليها المتلقي خيباته ، بدلاً من أن يقدم له (المكاشفة) التي تجبره على إصلاح ذاته.
صناعة التواطؤ الصامت ...وهذا المشهد ليس مجرد سقطة مهنية ، بل هو (عقد اجتماعي) غير مكتوب بين المضلِّل والمضلَّل . الإعلام يبيع الوهم ليضمن الولاء والاستمرارية ، والمتلقي يشتري الوهم ليهرب من استحقاقات المواجهة . وفي هذه الدائرة المغلقة ، يغدو النقد خيانة ، والتشكيك تجديفاً ، وتصبح الذاكرة الجمعية مجرد مخزن للحكايات البطولية الفارغة التي لا تسمن ولا تغني من جوع في عالم لا يحترم إلا الأرقام والنتائج .أما تكنولوجيا التضليل وتدجين العقل هو ما يثير الرعب اليوم ليس الكذب في حد ذاته ، فقد عرفه التاريخ طويلاً ، بل في (الأدوات الذكية) التي تمنحه لبوس الحقيقة . لقد تحول التضليل من مجرد خبر عابر إلى منظومة متكاملة تخاطب الغرائز لا العقول ، وتستغل العواطف الجياشة لتدجين الفكر . إننا نعيش عصر (الصدق الانتقائي) ، حيث يصدق الإنسان ما يوافق هواه ، ويكذب ما يخالف أوهامه ، حتى لو كانت الشواهد تفقأ العين.
رغم قتامة المشهد ، فإن قوانين التاريخ تخبرنا أن (تراكم الزيف) يؤدي حتماً إلى الانفجار . السلعة المغشوشة قد تروج لسنوات ، لكنها تسقط عند أول اختبار حقيقي مع الواقع . الوعي ، وإن كان بطيئاً كالسلحفاة في عالم الأرانب الرقمية ، إلا أنه يمتلك قوة النفاذ التي تسقط الأقنعة وتكشف عورة الخطاب الخشبي .
التغيير يبدأ من عين الرائي...لذلك لن ينصلح حال الإعلام ما دام يجد من يصفق لسقطاته ، ولن يتوقف التضليل ما لم يتحول المتلقي من (خزان) للمعلومات إلى (مختبر) لها. إن كسر هذه الدائرة يبدأ بكلمة (لماذا؟) وبإدراك أن الحقيقة المرة خير ألف مرة من وهم مريح.
نصيحتنا الحقيقية ليست للإعلام ، بل لنا نحن: توقفوا عن منح الشرعية للكاذبين بالتصديق ، فبدون جمهور يصفق ، يسقط الممثل ، وتنتهي المسرحية الهزلية.
التعليق عبر فيسبوك