10
نوفمبر
2021
شاعر السنابل والحقول ...عبدالحسين علي الشهباز .. بقلم : ناظم عبدالوهاب المناصير
نشر منذ 4 اسابيع - عدد المشاهدات : 88

   الشاعر عبدالحسين الشهباز ، وُلد سنة 1933 في قرية باب سليمــان ، من قرى قضاء أبي الخصيب ـــ البصرة ..    دخل كلية الآداب في جامعة بغداد سنة 1953 ـــ 1954 وقضى فيها سنة واحدة ، ثمّ تركهـا ؛ مارس التعليم الإبتدائي ، أنتمى إلى أحد الأحزاب اليسارية وتمّ سجنه سنة 1963 ، قضى في السجن قرابة ستة شهور ، وأعيد إلى التعليم ... يحمل حبّ الوطن بقلبه... ...حينما يجلس في روابي وبساتين قريتــــــه تنطلق سجيته في قول الشـــعر الرصين  ، يُعرف عنـه بأنـه من المتمسكين بحبّ تربـــة العراق ، فيكتب عنــه عيون الشعر ... شعره نغمة حنين وترية وشوق ، حلمـــه يكبــر ويمتــد إلى عمق الجنوب ومنارة الخلد في أبي الخصيب عبر تلاله وأنهــاره وسواقيه وسنابل القمح والحقول الخضر ..

   أشترك مع الشاعر بدر شاكر السياب وزكي الجابر وســعدي يوسف ومصطفى عبدالحميد وعبدالجبار داود البصــــــــري في إصدار كتاب ( مختارات من الأدب البصري الحديث ) في سنة 1956 طبع ، مطبعة الأديب البصرة ...

   وجدتُ في محياه وأنا صغير ــ ألعب مع أقراني بالقرب من بيتهم ــ نبرات فرح تمتزج مع علامات غضب مبهم يتكىء كأنه على موعد في كل ِّ صباح على نخلـة لسياج ذي نتوءات شوكية مدببة لبستان جميل وسط القرية يعود لأحدى النساء ..

   ترجم في قصائده جمال الطبيعة لنصوص بديعة في جماليتهـــــــا ، متلازماً في بلاغة لغوية مفعمة بالحركة والتنقل بين مفردة وأخرى بسلاسة التعبيــــــر واثراء واتقان في صنعة الشعر ... يستعمل بعض كلماته بتكرار جميل ـــ صمت الدجـى/ضوء القمــــــر / الصدى / الوصل / السنابل / الحقول / الأفق / السحب / فضاء الليل / النجوم ...

   ارتقى جماليات الشعر في مفردات تطرب الأسماع في نفحات لذيذة كنغمة وتر ربابة جنوبية لهــا في قلب المتلقي حلاوة كناقوط ماء بارد في أيام صيف... يملك  اسلوبية ورشاقة اللفظ ومسحة جمالية لذيذة .

يقول في قصيدته ( السنابل والغربان )صــ 54

لما تزل زيتونة البيت الجميلة

تحنو مباركة لأيام الطفولة

وصغارنا والحاصدون

يترنمون ويعملون

ولربما مدّوا رقابهم الطويلة

يتطلعون على التلول

عبر السنابل والحقول

يتساءلون متى نعود  ..

حتى إذا انتفضت وراء الأفق غربان الجنوب

ضجّوا بصيحات طويلة

وتراكضوا يتصارخون

ــــــــــــــ

تخرج نصوص أشعاره من حيز الرقي إلى حيز الإبداع في توظيف ذائقة لغوية  وعبارات لفظية متقنة ، الأمر الذي به يشعر القارىء أنّ نمط شعره يفوق التصورفي بعض الأحيان في تلقائيــــة  واستحضار في متانــة النص وحسن تقبله ، ففي قصيدته ( الحلم الجنوبي  صــ 53 ) قد نجد تشابك أحلامــــه مع افتتان الربيع والحب وألم المحبين :        

مازلتُ أحلم بالجنوب

ما زلتُ أحلم بالنخيل وقريتي عند المساء

ونسائها . والعائدين من الحقول

يتألمون ويحلمون :

" يا أرض يا أم الجميع ستضحكين

عند الربيع ستضحكين

يا أرض يا أم الجميع

ويظل موتانا .. وراءك ينظرون

ويضحكون

ونظل نحلم بالسنابل والحقول

عند الربيع "

أنا عائد

للأهل ، للحبِّ القديم ..

             وللربيع

وأنا كعادتي القديمة لا أزال

بالحبّ أحلم .. والجنوب

ونساء قريتنا الصغيرة ...

           والمواشي ..

          والهلال

وصدى أغانينا .. وأسرار التلال

ـــــــــــــــــــ

   الشهباز ، شاعر متوقد الشاعرية ، معظم أشعاره ضاعت ما بين البصرة وبغداد أثناء تنقله بينهما .. ففي مرحلة شبابية أنتقل إلى بغــــــداد ، وتزوج من فتاة لأحدى العوائل فيها ، وبمضي سنوات تقاعـــــد عن التعليم ، وأشتغل مقاولاً مع نسابته ... أشعاره التي عثرنا عليها تُشكل رافداً كبيراً في سلاسته ونبرات صوته واضحة كأنها موسيقى دافئة تعطي لنا نبضات الحياة بدون استئذان .. . يقول شعراً حديثاً أو شعراً عمودياً ، كما له صلة كبيرة مع شعراء الحداثة كبدر شاكر الســـــــياب وسعدي يوسف ، لذا فأنه ارتبط مع الكلمــة ذات الطابع الرصين والإتزان وخفة ورقة العاطفة ، منها خاض غمار الشعر على طريقـــة متزنة حقق منها تطلعاته

في نغمية واضحة ، بعدها كان له الأثر الواعي بأن يُضاهي كبار الشعراء ..ففي قصيدته ( موت لاندر ) وجدنا فيه شاعرية فياضة في مساحة تشد أذهان المتلقين في مشاهد نَبَعت من صلبِ التراث الذي قرأ عنه كثيراً إذ قال شعراً بسخاء لغوي وصفاء ذهني ومعنوي رقيق :

قصيدة ( موت لاندر )صــ 56

قبليــة

هذه الجبهة والوجه الجميل

وثنايا شعره الأسود يدعوها أفول

إنّ عينيه تنامان وفي الثغرذبول

أنظِرِيه

من جبال الثلج ، مِنْ زرق ِ البحار

أمهُ الشمس غلالات الضياء

وأبوه الأفق الشرقي طفل الجلنار

إنه الطفل المفدى للسماء

    إلى أنْ يقول :

سأمضي ...

        دفعة أخرى ...

            سأحيا من جديد

إنهــا ، تلك ، تُناديني على الليل ...

                      سأمضي

سوف أمضي ...

           وصراخ الموج ...

        لا... لا... سوف أمضي

وانحنى اللج على ثغر الإله ْ

بخشوع وشوش الليل صداه ْ

كان عبداً فرّ مِنْ سجن الحياهْ

ـــــــــــــــــ

وفي قصيدته ( أصداء الماضي ) صــ 55

إذا عدتَ تبكي اصفرار الغروب ... ومات بقلبـــــك صوت الندم

وسفّ عليـــــــــك نسيمُ الجنوب ... يُردد أغنيــــــــــــــــــة للعدم

هنالك تبدَى وراء الســــــــهوب ... روى قصــــة أترعت بالألم

                              *  *     *  *

ألم تدري حياتـــــــــــــي جنون ... وأصداء ســـــخرية للقـــــدر

وذكرى يُرددهــا العاشــــــقون ... لصمت الدجى ولضوء القمـر

ووهم سراب وشــــــعر حزين ... فوا أسفاه لجهـــــل البشـــــــر

                            *   *     *   *

في بغداد ، وفي يوم حزين لعائلته ومحبيه ، وافته المنية بتاريخ 14 /9/2010 ....        وداعاً أيها الشاعر المبدع ، ولك المحبة في ذكراك الطيبة..../انتهى

 

 

 

 

 

 


صور مرفقة






أخبار متعلقة
مشاركة الخبر
تابعنا على الفيس بوك
استطلاع رأى

عدد الأصوات : 0

أخبار