أسهل طريقة لتحويل النزهة الى واجب وطني في بعض مؤسساتنا، أن تضع فوقها عنوان «ايفاد رسمي»! عندها تصبح تذكرة الطائرة ضرورة والفندق الفخم استحقاقا ومخصصات الطعام والنقل ومصروف الجيب حقوقا مقدسة، أما المهمة التي صدر من أجلها أمر الايفاد فيمكن اختصارها بصورة وابتسامة وتقرير لا يقرؤه أحد!

هكذا يستنزف المال العام بأوراق مكتملة التواقيع بينما يبقى الانجاز بلا عنوان .

تشكل بعض الوفود وكأنها قوائم لتوزيع الغنائم هذا لقربه من المسؤول وذاك لارضائه وثالث لأن دوره في السفر قد حان! أما الاختصاص والحاجة والكفاءة فعليها الانتظار حتى يشبع أصحاب الحظوة من المطارات .

ولك أن تسأل عن ضرورة كل هؤلاء، لتأتيك الاجابة المطاطية «لتمثيل العراق» وكأن العراق لا يمثّل الا بوفد متخم بالأسماء، يعود خفيفا من النتائج، ثقيلا بالحقائب!

وفي هذا العبث قد تجد موظف الخدمة وعامل الشاي ضمن وفد لا علاقة لطبيعة عملهما بمهمته وكل الاحترام لهما ولمهنتيهما فالخلل في المسؤول الذي يتعامل مع أمر الايفاد بوصفه قائمة هدايا يوزعها على حاشيته، إهانة الوظيفة تبدأ حين تستبدل الكفاءة بالولاء وتصرف أموال المؤسسة لارضاء الأشخاص .

وحين يصبح السوق أهم من قاعة المؤتمر، والسهر أطول من ساعات العمل وترفع كؤوس الشمبانيا والواين فيما ترفع الفواتير إلى الحسابات، فمن حق الناس أن تسأل، بأي وجه تسمون هذه مهمة وطنية؟ وما علاقة خدمة العراق بكل هذا الترف؟

المواطن الذي يحسب كلفة دوائه والشاب الذي ينتظر فرصة عمل والرياضي الذي يبحث عن ثمن تجهيزاته أولى بأن يعرفوا أين ذهبت الأموال، وماذا عاد عليهم منها، لا تكفي عبارة «كانت المشاركة ناجحة» لإغلاق الحساب فالنجاح يحتاج دليلاً، والمصروف يحتاج تبريرا .

افتحوا ملفات الايفادات، الأسماء والاختصاصات والكلفة وأيام العمل والنتائج، قارنوا ما صرف بما تحقق، واسألوا من كرر السفر ما الذي أنجزته في الرحلة السابقة حتى تستحق التالية؟

من يعود بالمشتريات وحدها عليه أن يشرح لماذا دفع الشعب ثمن رحلته ومن يوزع الايفادات على المقربين عليه أن يتذكر أنه يدير مؤسسة لا يوزع تركة جده!!.