الدكتورة منى فتحى

يقترن اسم مصر عبر التاريخ بأرضٍ عريقةٍ مباركة ، ارتبط ذكرها في القرآن الكريم والسنة النبوية والتاريخ الإسلامي بمكانة مميزة . ويكفيها شرفا أن ذكرها القرآن في مواضع متعددة ، وأن ارتبط تاريخها بسيرة عدد من الأنبياء عليهم السلام .

وفي سماء هذه الكنانة ، يلتقي نصر أكتوبر المجيد بمعنى عظيم من معاني الانتماء والوفاء ، وهو حب الوطن ، وصيانة كرامته ، والدفاع عن أرضه ، وبناء مستقبله .

نصر أكتوبر... ملهم العزة واستعادة الأمل

لم يكن نصر السادس من أكتوبر عام 1973، الموافق للعاشر من رمضان ، مجرد حدث عسكري عابر ، بل كان محطة فارقة أعادت للأمة المصرية ثقتها بقدرتها على تجاوز الهزيمة ، وحولت اليأس إلى أمل ، والانكسار إلى إرادة ، والانتظار إلى فعل .

لقد اجتمعت إرادة شعبٍ رفض الاستسلام مع عزيمة جيشٍ حمل مسؤولية استعادة الأرض والكرامة . وكان العبور ثمرة الإيمان بالهدف ، والتخطيط الدقيق ، والصبر ، والتضحية ، والأخذ بأسباب النصر .

وهنا تتجلى حقيقة مهمة: الإيمان لا يعني انتظار المعجزات دون عمل ، وإنما يمنح الإنسان القوة والثبات حين يقترن بالتخطيط والأخذ بالأسباب .

وقد ارتفعت صيحات التكبير في لحظات العبور، فكان (الله أكبر) تعبيرا عن الإيمان والعزيمة والثبات ، وسيظل نصر أكتوبر في الذاكرة المصرية والعربية شاهدا على أن الإرادة حين تتوحد مع العلم والعمل والتضحية تستطيع أن تصنع المستحيل .

حب الوطن... عاطفة ومسؤولية

حب الوطن ليس مجرد عاطفة تُقال في المناسبات ، ولا شعارا يرفع في أوقات الأزمات ، وإنما هو شعور أصيل يتحول إلى مسؤولية وسلوك وعطاء .

فالإنسان يتعلق بالأرض التي نشأ عليها ، وبأهله وذكرياته وتاريخه ، وهذا الشعور الإنساني يصبح أكثر قيمة حين يتحول إلى عمل يحفظ أمن الوطن وكرامته ، ويخدم أبناءه ، ويصون مقدراته .

وقد عبر النبي صلى الله عليه واله وصحبه وسلم عن حبه لمكة ، موطنه الذي أُخرج منه ، فقال:

(ما أطيبك من بلد ، وأحبك إلي ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك) .

وهذا المعنى النبوي يؤكد أن محبة الوطن شعور إنساني كريم ، لا يتعارض مع الإيمان ، بل يمكن أن يكون دافعا إلى الإصلاح والعطاء وتحمل المسؤولية .

الدفاع عن الوطن... تضحية وشرف

إن حماية الوطن والدفاع عن أهله وأرضه من صور المسؤولية والتضحية ، وقد جاءت النصوص الإسلامية بتعظيم شأن الرباط والدفاع المشروع عن الناس والأوطان .

قال رسول الله صلى الله عليه واله وصحبه وسلم:

(رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه) .

ولا يقتصر مفهوم الدفاع عن الوطن على ميادين القتال وحدها ، فهناك جبهات أخرى لا تقل أهمية: جبهة العلم ، والعمل ، والإنتاج ، ومكافحة الفساد ، وحماية المجتمع ، وبناء الإنسان .

فكل من يؤدي عمله بأمانة ، ويحفظ المال العام ، ويتقن مهنته ، ويعلم أبناءه ، ويخدم مجتمعه ، ويسهم في تقدم بلده ، هو في الحقيقة يشارك في حماية وطنه وبنائه .

مصر... تاريخ عريق ومكانة راسخة

لم تكن مصر عبر التاريخ مجرد حدود جغرافية ، بل كانت مركزا حضاريا وثقافيا مؤثرا في محيطها العربي والإسلامي ، واحتلت مكانة بارزة في التاريخ القديم والحديث .

وقد ورد ذكر مصر صراحة في القرآن الكريم ، كما ارتبطت أرضها بقصص عدد من الأنبياء عليهم السلام ، ومن أبرز ذلك قصة يوسف عليه السلام ، وقصة موسى عليه السلام ، وورود قصة فرعون مصر في القرآن الكريم .

كما أوصى النبي صلى الله عليه واله وصحبه وسلم بأهل مصر خيرا ، وجاء في الحديث:

(إنكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط ، فاستوصوا بأهلها خيرا ، فإن لهم ذمة ورحما) .

وهذه المكانة التاريخية والحضارية تجعل الحديث عن مصر حديثا عن شعب عريق ، وحضارة ممتدة ، وتجربة وطنية تركت أثرا عميقا في المنطقة .

روح أكتوبر... ماذا تعني لنا اليوم؟

إن استحضار روح أكتوبر لا ينبغي أن يبقى مجرد احتفال بذكرى تاريخية عظيمة ، وإنما يجب أن يتحول إلى منهج في الحياة والعمل .

فالوطن لا يُصان في أوقات الحرب بالبندقية وحدها ، وإنما يُصان في أوقات السلم بالعلم والإنتاج والإخلاص والإتقان .

العمل والإتقان:

أن يؤدي كل إنسان مسؤوليته بأمانة ، وأن تصبح الزراعة والصناعة والتعليم والطب والهندسة والبحث العلمي والإدارة ميادين جديدة للانتصار .

الوحدة والترابط:

فالتماسك الوطني واحترام التنوع والوقوف صفا واحدا أمام التحديات من أهم دعائم الاستقرار والقوة .

غرس الانتماء:

بتربية الأجيال الجديدة على معرفة تاريخ وطنهم ، والاعتزاز بإنجازاته ، وتقدير تضحيات أبنائه ، مع تعليمهم أن حب الوطن ليس بالكلمات وحدها ، وإنما بالسلوك والعمل .

مكافحة الفساد واللامبالاة:

فالوطن الذي ضحى أبناؤه من أجله يستحق أن نحافظ على موارده ، وأن نرفض العبث بمقدراته ، وأن نواجه الفساد والإهمال كل في موقعه .

أكتوبر... ذاكرة وطن ورسالة مستقبل

إن أعظم ما يمكن أن نتعلمه من نصر أكتوبر هو أن الأمم لا تنهض بالأماني وحدها ، وإنما تنهض حين تتحول الإرادة إلى عمل ، والإيمان إلى مسؤولية، والعلم إلى إنجاز ، والتضحية إلى مستقبل أفضل .

لقد كان أكتوبر انتصارا عسكريا ، لكنه حمل في داخله انتصارا أعمق للإنسان المصري: انتصار الإرادة على اليأس ، والثقة على الخوف ، والعمل على بناء الوطن وتقدمه .

وستبقى مصر ، بتاريخها وشعبها وحضارتها ، وطنا عزيزا يستحق الوفاء والعطاء ، وسيظل نصر أكتوبر شاهدا حيا على أن الإيمان بالله ، حين يقترن بالعلم والتخطيط والأخذ بالأسباب ، يصنع إرادة قادرة على تجاوز أصعب المحن .

حفظ الله مصر وأهلها ، وصان أرضها وأمنها ، ووفق أبناءها إلى كل ما فيه الخير والسلام ، ورحم شهداءها الذين قدموا أرواحهم دفاعا عن الوطن والكرامة .

وكل عام ومصر وشعبها وجيشها بخير وعزة وسلام .