29
يونيو
2020
إنصهار الأدب والفلسفة في بوتقةٍ واحدة
نشر منذ 2 اسابيع - عدد المشاهدات : 95


السيد بالومار / ايتالو كالفينو

قراءة / ميرفت الخزاعي

 

اميلُ بطبعي لمطالعة الأعمال الأدبية ذات الإطار أو الطابع الفلسفي المنكهة مادتها بالأسئلة التي تحاول تحريك الأفكار الراكدة  بقاعِ العقل .

يقدم ايتالو كالفينو روايته السيد بالومار على طبق مزخرفة حوافه فلسفياً.

فقد تناول كالفينو عبر صفحاتها الـ 154 ؛ البيئة التي يعيش فيها السيد بالومار وكل ما تحتويه ويحيط وله علاقة به و بها ، بأسلوبٍ يتضمنُ البحث والتحليل ومحاولاً إيجاد التفسير، فهو يراقب ويتأمل ما حوله من دون استخدام منظار أو تلسكوب أو  مجهر أو أدوات قياس معتمداً في استكشافه واستقصائه على الحواس فقط.

لأن المعرفة المتأتية عبرَ الحواس أرسخ وأدوم  تأثيراً من تلك التي يتم الحصول  عليها من خلال الكتب تبعاً لمنطق المؤلف المتأثر بالفلسفة الوجودية .

فيسأل ويناقش ويجيبُ نفسه بنفسه - إذا ما سلمنا أن كل نفس بشرية تتضمن داخلها كوناً بأكمله - أو عدداً محدوداً من الأشخاص القريبين منه ( زوجته وبعض أصدقائه) .

من يستخدم الآخر أو يستثمره الأدب أم الفلسفة أو كليهما ؟!

أو ماذا يضفي كل منهما على الآخر

هل يلبسُ الأدب ثوباً فلسفياً أم ترتدي الفلسفة قناعَ الأدب ؟!

تدخلُ الفلسفة في جميع مفاصل حياتنا محاولة إيجاد التفسيرات  لكل ما حولنا والوقوف على العلل المسببة لها.

 

و الأدب إحدى الوسائل التي تعبر عنها أو تستخدمها فهو يتيح إظهارها بصورة فنية غير مملة.

وهو طريقة  للتعبير عن الآراء والمعتقدات والأفكار والمبادئ التي يتبناها المؤلف إذ يسمح السرد  بإستغلالها أو إستثمارها عبر طرحها أو الترويج لها أو تلخيصها  أو عرضها على الآخرين ( القراء) .

تشكيلها أو دمجها بشكل مشوق  بعيداً عن الرتابة وبالمقابل تعطي الفلسفة النصوص  بعداً أكبر وأعمق .

أو ربما يعود هذا لزوايا نظر المؤلف التي تساهم وتعمل على تحديد أو تركيز الرؤية حول نقاط معينة وبالتالي تكوين إنطباعات مختلفة للأشياء التي تبدو عادية.

يختار السيد بالومار الظواهر المألوفة  التي  قد لا يعيرها احدٌ انتباهه، فمثلاً من يخطر في باله تتبع القمر في منتصف الظهيرة حين يكون وحيداً وغير مثيرٍ للإهتمام ولا يكاد  شكله  يتعدى خيطاً أو حلقة بيضاء رفيعة فارغة ، أو مطالعة النجوم في ليالي الشتاء القارصة أو مراقبة  السلاحف والوزغ  تلك الزواحف البطيئة أثناء ممارسة غريزتها الحيوانية و تزاوجها ، أو الطيور وطريقة تواصلها مع بعضها ، أو ملاحظة  نشوء وتقدم الموجات المتعاقبة على شاطئ البحر.

وهكذا يوكل لنفسه مهمات يرى من واجبه القيام أو أشغال تفكيره بها .

يظن السيد بالومار أن روما غالباً معرضة للهجمات : من السماء حيث تغطي  الحمائم ساحاتها وأرصفتها ويُنثر لها الحبوب لتزيد مسحة الجمال للمدينة السياحية ، ومن تحت الأرض إذ تقوم الفئران بقضم قواعد أبنيتها وبيوتها الرطبة. 

 

و يجد في طرده وكشه  للطيور التي تتخذ من شرفته موضعاً للراحة أثناء هجرتها  وترحالها ؛ فعلاً ورغبة مدفونة بداخله للدفاع عن حياض وطنه المستباح. 

فحين لا يكون هناك عدو حقيقي ظاهر قد نلجأ لاتخاذ وصنع واحد وليس مهماً أبداً إذا ما كان من  الحيوانات أو أي شيء آخر ، أظنها أمنية الإنسان الكامنة في أن يصبحَ بطلاً.

لكنه في الوقت عينه يتلذذ بمراقبة طيرانها وتشكيلات أسرابها  وحركاتها ، إذ تمثل مصدراً للأسئلة التي تشغل روحه وفكره.

ولد الكاتب والصحفي والناقد ايتالو كالفينو عام 1923 في كوبا ونشأ في سان ريمو بإيطاليا ، إهتم في الستينيات بالمدارس النقدية والفلسفية الجديدة في فرنسا خصوصاً، وانعكس هذا على طبيعة أعماله الروائية ومنحها عمقاً فلسفياً وأسبغ على نظرته للأشياء  والعالم طابعاً جدياً مختلفاً عما هو سائد.

إشتهر بثلاثيته ، أسلافنا ( الفسكونت المشطور، البارون ساكن الشجر، فارس بلا وجود)  بالإضافة الى مدن لا مرئية وقلعة المصائر المتقاطعة. 

و السيد بالومار هي آخر عمل روائي صدر قبل وفاته عام 1985.

أبواب الرواية المستقلة أو المنفصلة وإن لم تكن كذلك فعلاً ، تسمح للقارئ بعدم الالتزام بتتبع صفحاتها لكنها في الوقت نفسه تترابط مع بعضها البعض بلبها أو مركزها الموحد فضلاً عن الأسلوب الذي تناولها به ، تبرز هناك وحدة الفكرة مكاناً وزماناً ومحتويات من شخصيات وأحداث. 

وليس ضرورياً أن تكون الأحداث أفعالاً أو تنتج عنها أفعالاً حركية ، فالتفكير والتحليل بل حتى التأمل  فعلاً يقوم به الدماغ بمشاركة الحواس.

ظهر تأثر كالفينو بالفلسفة ودراستها بشكل واضح في كتاباته ومنها روايته هذه إذ إعتمد بطله السيد بالومار على التجربة والملاحظة في الحصول على الاستنتاجات التي يود معرفتها فكان ينتقل من بقعة الى أخرى في بيئته ( البحر، الشاطئ، المرج النباتي، الحيوانات ، السماء ، الأرض ، التربة و الطقس). 

و ربما كون والده ماريو عالماً في النبات وأمه مساعدة جامعية في علم النبات ،  منحه أو وفر له هذا المحيط أو البيئة التي عاش فيها إمكانية الإقتراب من عالمي  النبات والحيوان وبالتالي الشغف بهما الذي بان واضحاً في الرواية ومنحه تلك الدقة والإسهاب في  الوصف والقدرة على الإنتباه للتفاصيل الصغيرة وغير الواضحة أو تلك التي قد لا يلاحظها أحد.



صور مرفقة






أخبار متعلقة
مشاركة الخبر
تابعنا على الفيس بوك
تابعنا على الفيس بوك
استطلاع رأى

عدد الأصوات : 0

أخبار